بعد ولادتي حكايات روماني مكرم
حمزة بص لي وقال: “ماما.. بابا راح فين؟”
مسحت على شعره وقُلت له: “بابا راح عند ربنا يا حبيبي.. ربنا أرحم بيه من الدنيا ومن نفسه.. وأنت لازم تطلع راجل صالح، تنفع أبوك بالدعاء، وتكون سند لأمك وأهلك.”
مرت شهور على الدفنة، والحياة رجعت لمجراها. الشقة اللي في القاهرة اتقفلت وأتباعت، والأخت اللي في السعودية ما كلفتش خاطرها تنزل تحضر جنازة أخوها أو تسأل عن ابن أخوها، والفلوس اللي صارعوا عليها أكلتها الغربة والمحاكم.
أما أنا، ففتحت مشغل صغير في البلد لتفصيل الهدوم، كبرت شغلي بفضل الله وعرق جبيني، وبقى عندي بنات في البلد بيتعلموا مني التفصيل والعزة. حمزة كبر وبقى يدخل المدرسة، ولد بار بأمه وجده، مرفوع الراس، كل الناس في البلد بتحفه وبتحترمه عشان شافوا أمه إزاي وقفت وصانت كرامتها وحمت ابنها.
وفي ليلة من ليالي الجمعة، بعد ما حمزة نام، قعدت على ماكينة الخياطة، بصلت للشباك المفتوح وللهواء الصعيدي الشديد النقي وهو بيدخل الأوضة. افتكرت الشقة المقفولة اللي كلها تراب، وافتكرت القيصرية وجرحها اللي طاب وما بقاش منه غير خط صغير أبيض على بطني.. خط بيذكرني دائماً إن الجروح الجسدية بتطيب، وإن الحق ما بيموتش، وإن المرأة اللي بتستقوى بالله وبأهلها وكرامتها، عمر ما في قوة في الأرض تقدر تكسرها!
بس الأيام ما كانتش لسه خلصت روايتها كلياً.. فبعد سنتين من وفاة أبو حمزة، وبعد ما حمزة بقى في الابتدائي، جالي للبيت محضر جديد من القاهرة، بس المرة دي الجواب ما كانش قضية ولا نفقة.. الجواب كان من محامي خبير بالتركات والمواريث، بيبلاغنا بمفاجأة كبيرة سابها أبو حمزة قبل ما يموت!
أُغمضت عيناي لثوانٍ وأنا ماسكة الجواب في إيدي، ونبضات قلبي بتسابق بعضها. أبوي عدل قعدته على الدكة، وحمزة ساب كتب المدرسة وقرب وقف جنب مني يبص للورقة الرسمية المختومة بالختم النسر.
فتحت الجواب وقرأت كلماته بصوت مرتفع قدام أبوي وأمي:
“إلى السيدة شيماء.. نُحيطكم علماً بصفتم الأوصياء على القاصر ‘حمزة’؛ بأنه بموجب العقد والوصية المسجلة بالشهر العقاري باسم المتوفى (فلان)، فقد قام قبل وفاته بتخصيص كافة مستحقاته من بيع شقته بالقاهرة، بالإضافة إلى قطعة أرض زراعية صغيرة كان يمتلكها ورثاً عن أبيه ولم يعلم عنها أحد، وتسجيلها بالكامل كتابةً وبيعاً ووصيةً باسم ابنه الوحيد ‘حمزة’، على أن تكون الحضانة والإدارة المالية والإشراف التام والتصرف مطلقاً للأم السيدة شيماء، بصفتها الولي الطبيعي والأمين الوحيد على حياته وماله، ولا يحق لأي وارث آخر الطعن أو التدخل.”