بعد ولادتي حكايات روماني مكرم

هنا بس، جوزي حس بطعم العلقم. افتكر كلام أمه وهي بتقول له: “أختك نازلة من السفر ومينفعش تنضف وأنت عندك هانم تخدمها!” افتكر إزاي دمر بيته وشرد مراته وابنه عشان خاطر أخت ما كلفتش خاطرها تنزل تسند أمها في مرضها!

الندم أكل قلبه وعقله. بقى يرجع من شغله طافح الكوت، يغير لأمه، يعمل لها الأكل، وينضف الشقة بأيده. كل ما يمسك المكنسة أو يقف ينضف التراب من على شباك، دموعه تنزل مغرق وشو وهو بيفتكرني وأنا واقفة بتسند على الحيطة وبترجاه وأنا جرح القيصرية مشدود عليا ودمي ينزف، وهو بيجبرني أروح أخدم. بقى يتخيل صورتي في كل ركن في الشقة، وصوت ضحكتي اللي اختفت، وريحة ابنه اللي انحرم منها.

في ليلة من ليالي البرد القارس، أمه كانت بتتألم على السرير وبتبكي من قلة الحيلة والوجع، بصت لابنها وهو قاعد على الكرسي جنبه جردل المية والمسحة ووشه أسود من التعب والهم، وقالت له بصوت مرعوش ومكسور:

“يا فلان.. اتصل بـ شيماء.. اتصل بيها وخليها تسامحني.. الجرح اللي في جسمي والرقاد ده بسبب حوبتها وحوبة أهلها الغلابة اللي عيرتهم بالفقر.. أنا بقيت مش قادرة أرفع إيدي، والبيت اللي كنت خايفة عليه بقى قبر عليا!”

جوزي بصلها بعيون مليانة حسرة وكسرة، وقال لها بصوت طالع بالعافية من وسط البكاء:

“تسامحك على إيه ولا إيه يا أمي؟! على دمهما اللي سايح على السلم؟ ولا على كرامتها اللي هدرناها؟ ولا على ابني اللي كبر وما يعرفنيش ولما يشوفني يخاف مني ويجري على أمه؟! أنتِ دمرتيني ودمرتِ نفسك، وأختي اللي عملتِ كل ده عشانها سابتك ومشت!”

تاني يوم الصبح، اتفاجئنا بباب بيت أبوي في الصعيد بيتخبط خبط هادي ومتوسل. أبوي فتح الباب، ولقى جوزي واقف، بس ما كانش الشخص الغيور ولا العزير بتاع زمان. كان إنسان تاني خالص.. خاسس نص وزنه، دقنه طويلة ومطفية، هدومه دبلانة، وعينيه غرقانة دموع.

أبوي وقف بثبات وقال له: “خير يا فلان؟ الرؤية مش النهاردة، الرؤية يوم الجمعة في مركز الشباب زي ما القاضي حكم.”

جوزي نزل على ركبه قدام أبوي في الصالة، نزل على الأرض ودموعه نازلة على التراب، ومسك جزمة أبوي وهو بيبكي بصوت يقطع القلب:

“يا حاج.. برضا الله عليك سامحني! أبوس إيدك ورجلك ارضى عني وسامحني! أنا اتدمرت يا حاج، ربنا أخد لي حق شيماء وحقك مني ومن أمي في الدنيا قبل الآخرة! أمي مشلولة في السرير وبتبكي دم، وأنا بقيت بكنس وأمسح وبخدم ورجلي مش شايالاني من الندم والهم! أنا عايش في جحيم يا حاج!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *