الشيخ العشيق
حوالي ست شهور، في يوم كنت راجع من الشغل، لقيت منى مستنياني على الباب. قالت لي محمود، عندي حاجة عايزة أقولها لك. قلبي اتقبض، وقلت إيه؟ قالت سامح بعت لي رسالة من أسبوع. اتوترت وقلت وإنتِ ليه ما قلتيليش؟ قالت عشان كنت عايزة أتأكد إنك هتسمعني للآخر. طلعت الموبايل وورتهولي. الرسالة كانت قصيرة جدًا أنا مسافر ومش هظهر في حياتكم تاني. سامحيني، ومحمود خليك متمسك ببيتك. بصيت للرسالة، وبعدين بصيت لمنى. قلت لها كويس إنك قلتيلي. قالت أنا وعدتك إني مش هخبي عنك حاجة تاني. ساعتها لأول مرة حسيت إن الثقة ممكن تبدأ ترجع. مرت سنة كاملة، وحياتنا بدأت تستقر. أنا ومنى فضل بينا چرح، لكن الچرح بدأ يقفل. وفي يوم كانت بنتي ليان عندها حفلة في المدرسة، وروحنا كلنا سوا. وأنا واقف بتفرج عليها، بصيت لمنى لقيتها بتبص لي وبتبتسم. قربت مني وقالت فاكر أول يوم رجعنا فيه نتكلم من غير خناقة؟ قلت لها فاكر. قالت أنا كنت فاكرة إن حياتنا انتهت. قلت لها وأنا كنت فاكر إن اللي شفته يومها هيكون آخر يوم بينا. قالت وأنا لحد دلوقتي مش مصدقة إنك اديتني فرصة. قلت لها الفرصة مش معناها إن اللي حصل اتنسى، معناها إننا اخترنا ما نخليش غلطة تدمر سبع سنين. حضنتني وقالت أنا آسفة. قلت لها وأنا آسف إني سيبتك تحسي بالوحدة لدرجة إنك خبيتي عني حاجات. ومن يومها فهمت إن الخېانة مش دايمًا بتبدأ من لحظة واحدة، وأحيانًا تبدأ بكلمة اتقالت في السر، أو مشكلة اتسابت من غير حل، أو شخص دخل البيت في الوقت الغلط، أو سر صغير اتخبى سنين لحد ما كبر وبقى جبل بين اتنين كانوا بيحبوا بعض. وأنا مش هكدب وأقول إن اللي حصل كان بسيط، ولا إن حضڼ سامح كان مجرد سوء فهم. لأ، كان غلط، وأنا واجهته، ومنى اعترفت بيه، وسامح نفسه اعترف إنه تجاوز حدوده. لكني كمان تعلمت إن الحكم على موقف واحد من غير ما تعرف اللي قبله واللي بعده ممكن يخليك تخسر ناس وأنت فاكر إنك بټنتقم لكرامتك. النهارده، بعد سنين من اللي حصل، كل ما أفتكر اليوم اللي فتحت فيه باب أوضة النوم، مش بفتكر بس منظر منى في حضڼ سامح، بفتكر الرجل اللي كنت فاكره شيخ بيعالجها، واللي دخل بيتي بحجة إنه بيخرج الجن العاشق، بينما الحقيقة إن أخطر حاجة دخلت بيتنا وقتها ما كانتش جن ولا سحر ولا أي حاجة من اللي كنا خايفين منها… كانت أسرار قديمة، ومشاعر مدفونة، وكذبة صغيرة اتساب لها سبع سنين تكبر. ولو سألتني دلوقتي إيه أصعب لحظة في القصة كلها، مش هقولك لحظة ما شفتها في حضنه، ولا لحظة ما عرفت إنهم كانوا يعرفوا بعض قبل جوازي منها، ولا حتى لحظة ما سمعت التسجيل القديم. أصعب لحظة كانت لما رجعت البيت في اليوم اللي بعد الصدمة، وبصيت لبنتي وهي بتضحك في الصالة، وسألت نفسي سؤال واحد هل البيت اللي بنيناه سبع سنين يستاهل فرصة تانية؟ والإجابة كانت آه، بس مش لأن اللي حصل بسيط، ولا لأن الثقة رجعت في يوم وليلة، لكن لأننا الاتنين فهمنا أخيرًا إن البيت مش بيتحافظ عليه بالكلام الحلو ولا بالفلوس ولا بالخۏف من الطلاق، البيت بيتحافظ عليه بالصراحة، والحدود، والاحترام، وإنك لما تلاقي مشكلة ما تدفنش راسك في الرمل لحد ما تتحول لقنبلة.
ومنى عمرها ما رجعت تخبي عني حاجة، وأنا عمرى ما رجعت أتعامل مع وجودها في حياتي كأنه شيء مضمون مهما عملت. بقينا نتكلم عن كل حاجة، حتى الحاجات اللي بتوجع. وسامح فضل مجرد صفحة قديمة اتقفلت، وهالة بقت درس نتذكره لما نثق في شخص زيادة عن اللزوم. أما أنا، ففضلت فاكر اليوم اللي فتحت فيه باب أوضة النوم، لأنه اليوم اللي اكتشفت فيه إن اللي كنت فاكره نهاية حياتي كان في الحقيقة بداية مواجهة كل الأكاذيب اللي كانت مستخبية حوالينا. وفي النهاية، عرفت إن الجن اللي كانوا بيقولوا إنهم بيعالجوه ما كانش موجود أصلًا… لكن كان فيه شيء أخطر منه بكتير قلبان كانوا ساكتين عن الحقيقة، وبيت كان واقف على أسرار، ورجل غريب دخل حياتنا من أوسع باب، وخرج منها بعد ما علّمنا كلنا إن أحيانًا أكبر مصېبة مش إنك تكتشف الحقيقة… أكبر مصېبة إنك تكتشفها بعد ما يكون الكذب عاش معاك سنين، وأنت فاكره أمان.
