— "أجسم بالله يا دياب لو فكرت تخطي عتبة الباب ديه، لأكون رامية روحي من الشباك وأريحك وأريح نفسي من الحرجان ديه كلياته!" — "يا بت المجانين! إنتي بلعتي المفتاح صُح؟ إنتي واعية عملتي إيه؟! السرايا بتنضرب بالنار والمخازن بتولع بره، وإنتي جافلة علينا الجناح وبلعتي المفتاح؟!" دياب كان واقف مصدوم، ماسك سلاحه الآلي في إيد، وبيبص لغزل اللي واقفة قدام الباب الخشب الضخم، حاطة إيديها على صدرها وبتاخد نفسها بصعوبة بعد ما حطت المفتاح في بوقها وبلعته فعلاً! غزل بصتله بتحدي وعينيها مليانة دموع وخوف عليه: — "أيوه بلعته! وخليهم يولعوا في المحاصيل، ويولعوا في السرايا، ويولعوا في الصعيد كلياته.. بس ماتاكلكش إنت! إنت جرحك بينزف، لو نزلت لرجالة عمك دلوك هيموتوك، وساعتها السرايا والأرض هيبجوا ليهم، وأنا هيوكلوني للكلاب.. إنت ناسي إنك روحي؟ رايد تروح للموت برجليك وتسيبني؟!" دياب رمى السلاح على السرير، وقرب منها، ملامحه اللي كانت بتغلي من الغضب لانت فجأة لما شاف رعبها عليه. حط إيده الكبيرة على خدها ومسح دموعها، وصوته طلع هادي رغم إن الرصاص شغال بره: — "يا جلبي اللي اتخطف.. يا بت الناس، ديه شرف عيلة وعرض أرض! لو مسحتش بكرامة عزام الأرض دلوك، البلد كلياتها هتدوس علينا بكرة.. إكده هبجى كبير اسم بس!" غزل مسكت في جلابيته ومسكت فيها بقوة: — "الكبير بيكبر بعجله مش بدمه يابن الهواري! رجالتك بره يسدوا عين الشمس، وصابر راجل بمية راجل.. كلم الظابط اللي جابض على فارس، بلغه إن عزام هو اللي ولع في المحاصيل.. خليه يعفن في السجن هو كمان، الجانون هيكسره أكتر من الرصاص!" دياب بصلها وعنيه وسعت بإعجاب، بنت الغفير البسيطة طلعت أذكى وأعقل من شيوخ القبيلة. ضحك ضحكة خفيفة وسط كل الخراب اللي بره، وشدها لحضنه بقوة متجاهل وجع جرحه: — "والله وطلعتي بميت راجل يا ست البنات.. بس وحياة غلاوتك عندي، لأخلي عزام يبكي بدل الدموع دم." طلع دياب تليفونه بسرعة، واتصل بصابر: — "يا صابر! اسمعني زين.. متضربوش نار على رجالة عزام.. خليهم يتلهوا في حرج المحاصيل.. ابعت عشر رجالة من النفق الوراني يطوجوهم من ضهرهم.. وبلغ الباشا ظابط المباحث يجيب جُوة وييجي دلوك.. عزام متلبس بحرج جنائي وشروع في جتل.. خليهم يلبسوه العمة صُح!" صابر رد بحماس: "أوامرك يا كبير.. عشر دجايج وتسمع خبر التعلب ديه!" بره السرايا، عزام كان واقف بعيد شوية، ساند على عصايته، وبيبص للنار اللي واكلة مخازن القطن والقمح بابتسامة نصر شيطانية. — "احرجوا كمان! خلوا دياب يشوف شجاه بيطير في الهوا.. خلوه يطلعلي زي الكلب الجريح عشان أطخه رصاصة تريحه وأبجى أنا كبير الهوارة!" بس فجأة، وقبل ما عزام يكمل ضحكته، لقى كشافات عربيات الشرطة نورت المكان كله، وصوت السراين شق الليل. رجالة دياب ظهروا من ورا الغفرا بتوع عزام وكتفوهم في ثانية قبل ما يرفعوا سلاحهم. الظابط نزل من عربيته ومعاه القوة، ووجه السلاح لعزام اللي ملامحه بهتت والعصاية وقعت من إيده: — "نور شرفتنا يا عزام بيه.. بقالك سنين عامل فيها العاقل، وفي الآخر تقع في حريق وشروع في قتل؟ متلبس يا كبير.. هاتوه!" عزام وهو بيتكلبش، رفع عينه لشباك جناح دياب، وصرخ بغل: — "إنت بتتحامى في الحكومة يا دياب؟! خايف تنزلي راجل لراجل؟" دياب، اللي كان واقف في البلكونة ساند على كتف غزل، بصله من فوق، وصوته رن في المكان كله: — "الراجل لراجل دي للي زيك اللي بيفهموا في الجتل والدم! أما أنا فكبير الهوارة الحجيجي.. والكبير بيحمي أهله ورزج الغلابة.. الحكومة تاخدك تعفنك جمب الكلب اللي ربيته، عشان البلد تنضف منيكم.. السرايا دي ليها سيد، وسيدها مابينحنيش!" الغفرا والبلد كلها اللي اتلموا يطفوا النار، كبروا وهتفوا باسم دياب. النار اتطفت، وعزام اترمى في البوكس، وانتهت أسطورة الشر اللي كانت مهددة السرايا. غزل بصت لدياب بفرحة، وباست كتفه: — "جلتلك العجل بيغلب الجوة.. إنت بطل الصعيد كلياته يا دياب." دياب ابتسم وغمزلها: "إنتي اللي بطلة يا ست البنات.. بس جوليلي.. هننزل نفتح للناس إزاي وإنتي بالعة مفتاح الجناح؟" غزل ضحكت بكسوف وطلعت المفتاح من جيبها: "مبلعتوش.. خبيته بس عشان متطلعش." دياب ضحك من قلبه لأول مرة من سنين، وشالها لفت بيها الأوضة: "يا مجنونة.. جلبي كان هيوجف عليكي!" مرت تلات شهور.. تلات شهور كانت كفيلة تغير الصعيد كله. عزام وفارس اتحكم عليهم بالسجن المشدد، واحد بتهمة التحريض والحريق العمد، والتاني بتهمة الخطف والشروع في القتل واختلاس أموال. السرايا اتجددت، المخازن اتبنت أحسن من الأول، ودياب استرد صحته وعافيته بالكامل. وبقت غزل هي روح السرايا، الدادة زينب وكل الخدم حبوها، والغفرا بقوا يفدوها بروحهم لأنها حرم "الكبير". والليلة دي.. كانت الليلة المنتظرة. السرايا كانت متزينة بالأنوار من أول البوابة لحد سطح البيت. الذبايح اتفرقت على كل بيوت النجع، والمزمار البلدي والخيول بترقص في ساحة السرايا. البلد كلها معزومة على فرح دياب الهواري وغزل. فوق في جناح العرايس، غزل كانت واقفة قدام المرايا الطويلة. لابسة فستان أبيض، مطرز بالدهب واللولي، تصميمه بيجمع بين الحشمة الصعيدية والرقي الملكي. طرحتها الطويلة نازلة على ضهرها، ووشها منور زي البدر، عينيها بتلمع بفرحة مكنتش تحلم بيها في يوم من الأيام. دادة زينب دخلت الأوضة، ومعاها المبخرة، وبترقي غزل وعينيها مليانة دموع الفرح: — "بسم الله ما شاء الله، تبارك الخلاج فيما خَلج! جمر يا بتي، جمر نزل من السما نور سراية الهواري.. ربنا يحرسك من العين ويرزجك بالذرية الصالحة اللي تعمر الدار." غزل لفت وحضنت زينب بحب: — "ربنا يخليكي ليا يا دادة.. والله خايفة جوي.. جلبي بيدج زنة طبلة المزمار اللي تحت دي.. مش مصدجة إني هبجى مراته شرعاً وجانوناً وجبال الناس كلياتها الليلة دي." — "يا بتي دياب بيه روحه فيكي، ده من ساعة ما خف وهو مبيفكرش غير في اليوم ديه.. بيجولوا عليه بره جبل مابيهزوش ريح، بس لما بيشوفك، بيبجى زي الطفل اللي لجي أمه.. إنتي عوضتيه عن كل الجسوة اللي شافها." فجأة، الباب خبط، والدادة فتحت، وكان دياب. لابس الجلابية الصعيدي البيضا، وفوقيها عباية سودا مطرزة بخيوط دهب، وعمته مظبوطة على راسه. هيبة، رجولة، وجمال طاغي. زينب زغردت زغروطة رجت السرايا كلها، وطلعت وسبتهم لوحدهم. دياب قفل الباب، ووقف مكانه، عينيه متسمرة على غزل. كان بياخد نفسه بصعوبة كأنه بيجري، نظراته كانت بتنطق بكل كلام العشق اللي في الدنيا. قرب منها بخطوات بطيئة، لحد ما وقف قدامها، رفع إيده وبلمسة رقيقة جداً، رفع الطرحة من على وشها. — "إكده كتير على جلب دياب.. أنا خابر إني واخد ست البنات، بس مجولتيش إنك مخبية حورية من الجنة إهنه!" صوته كان أجش، مليان هيام ووله. غزل نزلت عينيها في الأرض بخجل، ووشها بقى أحمر زي الفراولة: — "بعيد عنك الحوريات يا كبير.. أنا مجرد غزل.. جارتك وخدامتك." دياب حط صباعه على شفايفها يمنعها تكمل: — "هششش.. إياكي تجولي الكلمة دي تاني.. إنتي ست السرايا، وتاج راسي، ومليكة جلبي. إنتي اللي خطفتي دياب الهواري من دنيته الجاسية وعلمتيه يعني إيه حب." مد إيده في جيب العباية، وطلع علبة قطيفة حمرا، فتحها.. كان فيها عقد ألماظ بيلمع بشكل يخطف العين. طلعه، ولف وراها، ولبسهولها على رقبتها البيضا. — "العجْد ديه.. كان بتاع أمي الله يرحمها.. جالتلي جبل ما تموت: يا دياب، متلبسوش إلا للي تتربع على عرش جلبك، وتكون ست الدار صُح.. وأنا ملجيتش ولا هلاجي غيرك يزين العجْد ديه." غزل لفت ورمت نفسها في حضنه، مقدرتش تمسك دموع الفرحة اللي نزلت على صدره: — "بحبك يا دياب.. بحبك جد الدنيا كلياتها.. إنت أماني وسندي، إنت العوض اللي ربنا بعتهولي بعد تعب وجهر سنين." دياب باس راسها، وضمها بقوة كأنه بيدخلها جوه ضلوعه: — "وأنا بموت في التراب اللي بتمشي عليه.. يالا بينا ننزل للناس، البلد كلياتها مستنية تشوف ست الهوارة.. وبعدها، نطلع إهنه ومفيش جُوة في الأرض هتبعدني عنيكي الليلة دي." نزلوا الاتنين على السلم الكبير بتاع السرايا. أول ما ظهروا، طلقات النار الآلي ضربت في السما تحية للعريس، والزغاريط شقت عنان السما. صابر والغفرا كانوا بيرقصوا بالنبوت، والناس كلها بتبارك وتهني. دياب كان ماسك إيد غزل بقوة، بيبصلها كل دقيقة يتأكد إنها معاه، كأنه خايف تكون حلم ويصحى منه. غزل كانت بتبتسم للكل، حاسة لأول مرة في حياتها إنها ملكة متوجة، مش بنت الغفير المكسورة. الفرح استمر لساعات، غنى ورقص وفرحة حقيقية دخلت كل بيت في الصعيد. ولما الليل انتصف، والضيوف بدأوا يمشوا، دياب شال غزل بين إيديه قدام كل اللي باقيين، وسط ضحكات وزغاريط الدادة زينب، وطلع بيها على السلم لحد جناحهم الخاص. قفل الباب برجليه، ونزلها براحة على الأرض. الأوضة كانت متزينة بالورد الأحمر والشموع اللي مدياها نور خافت ورومانسي جداً. ريحة العود والمسك مالية المكان. غزل كانت واقفة مكسوفة، بتبص للأرض، بتفرك في إيديها. دياب قرب منها، قلع العباية والعمة، ورماهم على الكرسي. وقف قدامها، ومسك إيديها الاتنين باسهم واحدة واحدة بحنية خلت قلبها يدق بعنف. — "مصدجتش إني هعيش لليوم ديه يا دياب.. كنت فاكرة إني هموت جهر وظلم بعد ما أبويا مات وسابني لعمي يبيع ويشتري فيا." غزل قالتها بصوت واطي وهي بتبصله بعيون مليانة شجن وحب. دياب حط إيديه حوالين وسطها وشدها ليه، وبصلها بنظرة عميقة، نظرة راجل شاف الدنيا كلها في عيون الست اللي بين إيديه. — "جهر؟ وإنتي في حماية دياب الهواري؟.. ده أنا كنت أهد السما على الأرض جبل ما شعرة منيكي تنجص." سكت لحظة، وبصلها في عينيها مباشرة، وبدأ يتكلم بصوت دافي، هادي، كأنه بيلقي عليها شعر طالع من أعماق روحه: — "عارفة يا غزل؟.. الكل بره كان بيجول عليا جاسي.. دياب الهواري الجبل اللي مابيهزوش ريح، اللي جلبه حجر صوان، مابيعرفش يرحم ولا يحب.. كنت عايش في عتمة وتار ودم، بحارب طواحين الهوا وبثبت للدنيا كلياتها إني الجوي.. لحد ما عنيكي خبطت في عيني أول مرة." رفع إيده ومشى صوابعه على ملامح وشها برقة كأنه بيلمس أثر غالي: — "لما خطيتي عتبة داري، حسيت إن السرايا نورت.. لما بجيتي تبكي، كنت بحس إن خنجر بيجطع في جلبي.. ولما ضحكتي.. حسيت إن الدنيا كلياتها بتضحك لدياب.. إنتي لينتي الحجر يا غزل، إنتي زرعتي الورد في أرض بوار." غزل عينيها لمعت بالدموع وابتسمت أرق ابتسامة: — "وإنت رويت الورد ديه بحنيتك وأمانك.. أنا مليش غيرك يا دياب." دياب قرب أكتر لحد ما أنفاسهم اختلطت، وهمس بصوت كله عشق، كأنه بيبصملها بروحه: — "وإنا واهب روحي وعمري كلياته تحت رجليكي.. يا ست البنات، يا عوض الأيام.. السنين اللي جاية كلياتها ليكي وبس.. جولتلهم دياب جاسي، بس مجولتلهمش.. إني بمجرد ما شوفتك.. عرفت إني.. أنا لها عاشــــق." ومال عليها، وطبع قبلة طويلة مليانة بكل الحب والشوق والأمان اللي في الدنيا، كأنه بيكتب بيها نهاية كل وجع فات، وبداية لحياة جديدة، حياة كلها حب وسلام في حضن عاشق الهوارة. (تمت بحمد الله)