حصاد الغدر حكايات مني السيد

هو اللي كان هيخلي الصبح بالنسبة لطارق وأمه كابوس مش هيصحوا منه، لأن طارق اللي كان فاكر إنه داهية ومفلسع، نسي إن الشقة دي نيرة هي اللي شارياها بفلوس مكافأة نهاية الخدمة بتاعة والدها قبل ما يتوفى جدها ويسيب ورث محترم اتسجل باسمها هي بس، وطارق وقت الجواز كان مجرد داخل بشنطة هدومه وكتبوا العقد باسمها كامل، بس هي من طيبة أصلها كانت عاملاله توكيل إدارة عشان يعرف يدخل الغاز والكهرباء باسم البيت، وهو غباءه صوّرله إنه حط إيده على كل حاجة بمجرد ما خلّف منها بنتين وكسر عينها بقلة الحيلة.
الساعة كانت داخلة على أربعة الفجر، والسكون مالي الشقة غير صوت شخير فتحية اللي طالع من الأوضة التانية كأنها بتهد حيطة، وصوت طارق اللي نايم في الصالة على الكنبة التانية ومفرود كأنه بطل حربي انتصر في معركة تلاجات.
رنة موبايل نيرة هزت على الصامت. إحنا تحت العمارة يا نيرة، افتحي الباب بالراحة من غير دوشة.
نيرة شالت الملف، لبست إسدالها الأسود الواسع، وربطت بطنها بالحزام الطبي عشان تعرف تمشي خطوتين مظبوطين. اتحركت على طراطيف صوابعها في الطرقة الضلمة، عدت من جنب التلاجة الجديدة اللي كان لميع كرتونتها لسه باين في الضلمة، ولزقة البلاستر المكتوب عليها طارق والحاجة والدته محطوطة زي إعلان نصر رخيص.
فتحت باب الشقة بتكة صغيرة محسوبة. أول واحد دخل كان أبوها، الحاج عبد الحميد، راجل ستيني هادي بس في عينه نظرة تاكل الحديد، ملامحه صعيدية ناشفة ومش بتاعة حوارات. وراه دخل أحمد ومصطفى، إخواتها الاتنين، عمالقة وشكلهم يقطع الخميرة من البيت، ووراهم راجل رابع لابس بدلة رمادي وشايل شنطة جلد سودا تقيلة… الأستاذ وحيد، محامي العيلة وصاحب والدها من سنين.
الحاج عبد الحميد أول ما شاف بنته مهدودة ووشها مخطۏف، مسك كف إيدها وباسه حقك عندي يا بت بطني، اطلعي ادخلي أوضتك مع بناتك وماتخرجيش غير لما أناديكي. أحمد همس بغل وهو بيبص ناحية الصالة هو فين المحروس؟ نايم جوا وشاخخ في وسطه؟ أبوه بصله بحدة أحمد! مفيش صوت، مش عايزين

حركة صبيانية، إحنا جايين بالقانون والشرع، مش داخلين خناقة في سوق الخضار.
نيرة شاورتلهم على المطبخ ادخلوا هناك، الباب ده بيتقفل كويس عشان الشخير بتاع أمه ما يغطيش على النفس.
دخلوا المطبخ بهدوء، ولعوا النور الأصفر الخفيف اللي فوق الحوض. الأستاذ وحيد قعد على كرسي السفرة الصغير وطلع من شنطته ورق أبيض ودوسيهات، والحاج عبد الحميد سحب كرسي وقعد قصاد التلاجة الجديدة، وحط رجل على رجل وبص على الورقة الملزوقة بالبلاستر وابتسم بسخرية وجعته في كرامته.
الساعة دقت سبعة الصبح. النور شقشق من شباك المطبخ، وصوت المنبه بتاع تليفون طارق ضړب في الصالة. طارق قام، تمطع، وطلع صوت تخين وهو بيتثاءب، ونادى بصوت عالي يا أمّا! اصحي عشان نعمل الفطار الجديد من خير ربنا، خلي اللي جوة تفضل نايمة بنومها.
الحاجة فتحية خرجت من أوضتها لابسة الروب القطيفة الفوشيا والشبشب الفرو، وبترد عليه بضحكة مياعة صباحية مباركة يا قلب أمك، دا أنا مجهزة لك حتة جبنة رومي وبسطرمة من اللي في التلاجة النضيفة تشفي العليل، سيبك من القديمة اللي ريحتها معطنة.
طارق مشي بخطوات تقيلة ناحية المطبخ، داس على أوكرة الباب وزقه برجله كعادته، وهو بيقول أنا قولتلك من إمبارح، التلاجة دي ماتتفتحش غير بإذن
الكلام وقف في زوره، ولسانه اتعقد كأنه بلع لقمة شايطة. طارق بربش بعينيه مش مستوعب. على ترابيزة المطبخ، الحاج عبد الحميد قاعد مربع إيديه، ساند عكازه على طرف الترابيزة، بيبصله ببرود قاټل. جنبه أحمد ومصطفى واقفين سادين الباب التاني المؤدي للبلكونة، والمحامي بيقلب في ورقة رسمية ببطء ويشرب من كوباية مية باردة.
أمه جت وراه، اتخبطت في ضهره وقالت بنرفزة في إيه يا واد واقف زي اللوح كده ليه ومسقط فكك؟ بصت من فوق كتفه، ولقت المنظر، وشها جاب ألوان الطيف، شهقت وحطت إيدها على صدرها يا داهية دقي! إيه ده؟ أنتم مين اللي فتحلكم وبتعملوا إيه في بيتنا على الصبح كده؟
الحاج عبد الحميد نزل رجله من على رجل، وتكلم بصوت واطي جداً، بس كان بيزلزل أركان المطبخ بيتك؟… قولي كلام غير

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *