بعد 40 سنه جواز حكايات نور محمد

​صرخت سناء رعباً وأمسك بها أمين الشرطة، بينما توسل محمود وهو يبكي كالطفل الصغير، فاقتادتهما الشرطة مكلبشين إلى سيارة الترحيلات ليواجها مصيرهما في قضايا التعدي والسرقة، وليتحملا الديون وقرارات الإزالة التي خلفها طمعهما الأعمى.

​أما حسن ونهى..

فقد التفتت إليهما، ونزلت بمستواي ونظرت في عينيهما الدامعتين.

نزعت يدي من بين أيديهما برفق ولكن بحسم لا رجعة فيه، وقلت كلمات وزنت بميزان الذهب والألم:

​”قوموا من على الأرض يا ولاد مختار.. قوموا وقفوا على حيلكم.

أنا مش هسيبك تتسجن يا حسن.. هدفع ديون الشركة من فلوسي اللي سابهالي أبوكم، وهقفل ملفات القضايا.. ومش هسيب ولادك يا نهى يمدوا إيديهم للناس..

بس اسمعوا الكلمتين دول وافهموهم كويس أوي:

أنا هدفع الفلوس دي تمن للبن اللي رضعتهولكم، وتمن للسهر والتعب اللي قضيته في تربيتكم..

مش عشان تستاهلوا.. لأ، عشان خاطر روح مختار ترتاح في تربتها وعشان اسم عيلته يفضل نضيف!

لكن من اللحظة دي.. الڤيلا دي بابها مقفول في وشكم.

مفتاح الباب ده مش هيدخل جيب حد فيكم، والجنيه اللي هيخرج من حسابي هيبقى مساعدة لوجه الله، مش ميراث تتبجحوا بيه!

أنتوا بعتوا أمكم برخيص عشان شوية ورق.. وخسرتوا أغلى كنز في الدنيا: رضا الأم وسندها!

روحوا عيشوا في بيوتكم، واشتغلوا بشقاكم، واتعلموا إزاي القرش بييجي بالتعب، ولما تحسوا بقيمة التراب اللي بتمشوا عليه، ابقوا دوروا على أمكم.. لو كان في العمر بقية!”

​أشرت لهما نحو الباب.. فخرجا يجران أذيال الخيبة والندم، يبكيان بكاء من أضاع الجنة بملء إرادته.

​أغلقت باب الڤيلا بيدي.

طلبت من عم إدريس أن ينظف الصالة، وأعدت مصاحفي وسجاجيد صلاتي إلى مكانها، وفتحت النوافذ لتدخل شمس الأصيل الدافئة وتطرد كل رائحة للغدر والغل من أرجاء البيت.

​جلست على مقعد مختار المفضل في شرفة الحديقة، أحتسي فنجان قهوتي في هدوء تام، والخطاب الموضوع على حجري يفيض بعبير الوفاء والحب الحقيقي.

​ومن قلب تلك التجربة القاسية التي صهرت قلبي وأعادت صياغة حياتي في خريف العمر، أضع بين يدي كل من يقرأ حكايتي خمس حكم عظيمة لعلها تكون نوراً وعبرة:

​رضا الوالدين هو الكنز الحقيقي الذي لا يعوضه مال الأرض:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *