بعد 40 سنه جواز حكايات نور محمد
جيت أقف عشان أمشي، المحامي قالي بصوت واطي: “مدام صفية.. خليكي مكانك”.
وقفت مكاني لحد ما باب المكتب اتقفل علينا. المحامي قام من على كرسيه، فتح درج مكتبه وطلع ظرف أصفر مقفول بالشمع الأحمر، وحطه في إيدي بحذر وقال:
“في الحقيقة يا مدام صفية.. مختار بيه مسابكيش على الحديدة.. هو سابلك ده، ووصاني أديهولك في السر، أول ما عيلتك تخرج من الباب”.
قلبي بدأ يدق بجنون.
مسكت الظرف وفتحت الشمع المكسور، وطلعت الورقة. كان خط مختار وجنبه إمضته. بس أول سطر قرأته خلى الدم يهرب من وشي، وجسمي كله يتنفض.
كان كاتب:
“يا صفية.. الوصية اللي سمعتيها دي كانت خطتي عشان أكشفهم وأحميكي منهم.. ودلوقتي، جه الوقت اللي لازم تعرفي فيه الحقيقة المرعبة اللي خبيتها عنك الكام شهر اللي فاتوا…!!!!”
#الكاتبة_نور_محمد
في تلك اللحظة التي قرأت فيها ذلك السطر الأول، شعرت وكأن قلبي توقف عن النبض لثوانٍ، وتجمدت الدماء في عروقي.
كانت يدي ترتعش كورقة شجر في مهب ريح عاتية، وحروف مختار المكتوبة بحبره الأزرق المعتاد وخطه الرقعي المميز كانت تقفز أمام عيني، تنبض بحياة غريبة كأنه يجلس أمامي الآن، ينظر في عيني بنفس نظرته الثاقبة الحنونة التي عرفتها لأربعين عاماً.
الأستاذ كمال المحامي كان واقفاً عند نافذة المكتب الكبيرة، يدخن سيجارته في صمت مطبق، تاركاً لي المساحة لأستوعب الصدمة. أغمضت عيني، وأخذت نفساً عميقاً ارتعشت معه أضلعي، ثم قربت الورقة إلى عيني وبدأت أقرأ ما خطه رفيق عمري قبل أن يفارق الدنيا:
”صفية.. يا رفيقة الدرب، ونور العين، والست الوحيدة اللي شالتني على كفوف الراحة أربعين سنة..
لو بتقرأي الجواب ده دلوقتي، يبقى كمال طرد الكل وقفل الباب، ويبقى توقعي طلع في محله بالحرف.. ولادنا خذلوكي، وأخويا ساب دمي ورا ضهره، وسناء وقفت تتشفى فيكي.
عارف يا صفية إن السكينة دبحك، وإن قسوة الوصية اللي سمعتيها من شوية شقت قلبك نصين، وخليتك تشكي في حب عمري ليكي.. بس كان لازم أعمل المسرحية دي، مكنش قدامي غيرها عشان أحميكي من غدر كان هيطحنك بعد ما أموت، وعشان أفرز القلوب وأوريكي مين اللي يستاهل ضفرك، ومين اللي كان مستني جثماني ينزل القبر عشان ينهش في لحمك!