بعد 40 سنه جواز حكايات نور محمد
الدم غلى في عروقي، والبركان اللي كان محبوس جوايا انفجر.
نظرت لكمال وصرخت بنبرة حاسمة هزت جدران المكتب:
“اطلب النجدة يا كمال.. وحصلني على الڤيلا! آن الأوان للحساب يتصفى!”
خرجت من مكتب المحامي بخطوات سريعة كالرعد، وركبت سيارتي التي كان يقودها سائق كمال.
طوال الطريق، كانت مشاهد الأربعين سنة تمر أمام عيني كشريط سينمائي:
حسن.. لما كان يسخن وأنا أسهر جنبه أكمدله راسه بمية متلجة وأبكي.
نهى.. لما دخلت الجامعة وكنت أبيع دهب أمي عشان أجيبلها أحسن لبس ومتحسش إنها أقل من زميلاتها.
وسناء.. ومحمود.. اللي أكلوا من خيري وعاشوا في ظلي لما كانت الدنيا تضيق بيهم!
كل ده اتمسح في لحظة لما برقت الفلوس في عيونهم، واتحولوا لوحوش مستعدين يرموا أمهم في الشارع عشان كام مليون!
وصلت إلى الڤيلا..
البوابة الحديدية الكبيرة كانت مفتوحة على مصراعيها، وسيارة نقل صغيرة واقفة في المدخل.
نزلت من السيارة، ومشيت بخطى واثقة في الممر الرخامي نحو الباب الرئيسي.
أول ما دخلت الصالة، خبطت في عيني صورة مزقت نياط قلبي:
أكياس بلاستيكية سوداء ملقاة على الأرض، ممتلئة بملابسي، وسجاجيد صلاتي، ومصاحفي القديمة.. وسناء تقف في منتصف الصالة، تلبس في معصمها أساور ذهبية كانت في درج تسريحتي، وتوجه العمال بصوت عالٍ ووقح:
“انزلوا بالصالون المدهب ده في العربية يا واد إنت وهو.. والستارة دي شيلوها، الشياكة دي كلها لازم تتجدد عشان تليق بالعصر الجديد!”
ونهى ابنتي كانت تقف بجوار السفرة، تمسك في يدها دفتر شيكات وتتجادل مع أخيها حسن بصوت حاد:
“لأ يا حسن! إنت تاخد الشركة عشان إنت راجل، لكن حسابات البنك بالنص بالمللي! وأنا مش هسيب مليم في حق ولادي!”
وحسن يصرخ في وجهها: “الشركة محتاجة سيولة يا غبية! لو أخدتي نص البنك الشركة هتقف!”
وفجأة.. انقطع صراخهم جميعاً!
وقف الجميع كالأصنام المتجمدة أول ما وقعت عيونهم عليا وأنا واقفة على عتبة الباب!
سناء كانت أول من استعاد قدرته على التلون؛ أنزلت يدها التي تحمل الأساور بسرعة وراء ظهرها، ورسمت على وجهها ابتسامة صفراء تقطر سماً وقالت:
“أهلاً يا صفية يا حبيبتي.. كويس إنك جيتي بسرعة عشان تلمي باقي كراكيبك.. إحنا قولنا نريحك ونلملك هدومك في الأكياس دي عشان منثقلش عليكي.. عربية محمود هتوصلك لأوضة بنتي ترتاحي هناك، والولاد محتاجين الڤيلا عشان يفرزوها ويبيعوها.”