المليونير ضحك وقال إن الخدامة تقدر تتجوز ابنه لو عرفت ترقص... لكنه ماكانش يعرف إنها بطلة مصر اللي اختفت فجأة! اتكسرت كاس الشمبانيا عند رجلي ندى عبد الرحمن، لكن الجملة اللي قالها الملياردير بعدها هي اللي خلت القاعة كلها تسكت. قال حسن الدمنهوري وهو بيرفع كاسه قدام الحضور: "لو عرفتي ترقصي من غير ما تحرجي نفسك... هخلي ابني يتجوزك." انفجرت القاعة بالضحك. فضلت ندى راكعة على الأرض، بتجمع قطع الكريستال المكسورة من فوق الرخام اللامع. حواليها كان واقف أكتر من خمسمية شخص من أغنى رجال وسيدات الأعمال في القاهرة... مستثمرين، مشاهير، أصحاب شركات، ورجال مجتمع دفعوا آلاف الجنيهات علشان يحضروا حفل افتتاح أطول برج خاص في مصر. ولا واحد فيهم كان يعرف إن الست اللي لابسة يونيفورم الخدمة الكحلي كانت في يوم من الأيام بترقص قدام آلاف المتفرجين. ولا حد كان يعرف ليه اختفت فجأة. ولا حد فيهم كان يتخيل إن حسن الدمنهوري اتحدى الشخص الوحيد في القاعة اللي يقدر يهز صورته قدام الناس من غير ما ينطق بكلمة إهانة واحدة. قالت ندى بهدوء: "يا فندم... أظن دي وقعت منك." وقفت ومدت له زر الكم الفضي اللي لقيته جنب الكاس المكسور. بصلها حسن، وبص لليونيفورم بتاعها. كان عنده تلاتة وستين سنة، شعره أبيض وهيبته تسبق دخوله لأي مكان. اسمه مكتوب على مستشفيات ومدارس ومشروعات سكنية، وكمان على البرج الزجاجي اللي كان بيطل على النيل. ماخدش زر الكم فورًا. ابتسم ابتسامة استعلاء وقال: "إنتِ هادية بشكل غريب بالنسبة لواحدة كسرت صينية كريستال تمنها أكتر من مية ألف جنيه." ردت ندى بثبات: "أنا اللي ماوقعتهاش." همهمة خفيفة انتشرت بين الضيوف. ابتسامته اختفت شوية. في اللحظة دي، تقدم شاب أنيق لابس بدلة سوداء. كان شبه أبوه في الملامح... لكن ملامحه خالية من القسوة. قال كريم الدمنهوري: "يا بابا... الراجل اللي خبط فيها واقف هناك." وأشار ناحية واحد من الضيوف اللي كان واقف جنب البوفيه، فلف وشه بسرعة. لكن حسن تجاهله تمامًا. قال ببرود: "الحوادث بتحصل... لكن الثقة بالنفس غالية، خصوصًا لما تيجي من حد ما استحقهاش." وصلت منى، المشرفة على العمال، بسرعة وقالت: "أنا آسفة يا فندم... هتصرف." رفع حسن إيده يمنعها. "لأ... سيبيها." أما زوجته سوسن، فكانت قاعدة على الطاولة الرئيسية بفستان فضي وعقد ألماس تمنه يشتري عمارة كاملة، وكانت بتتفرج على ندى بابتسامة سخرية. لف حسن ناحية الفرقة الموسيقية وقال: "اعزفوا فالس." بصوا لبعضهم بتردد. قال كريم بتحذير: "يا بابا..." ضحك حسن وقال: "إيه يعني؟ الحفلة بقت مملة... لازم ندي الناس حاجة يفتكروها." رجع بص لندى. "مراتي كسبت بطولة نادي الجزيرة للرقص ثلاث سنين ورا بعض، وكل الناس عارفة إنها أحسن راقصة في مجتمعنا." رفعت سوسن راسها بفخر. فتح حسن دراعيه وقال قدام الجميع: "وده عرضي... لو البنت الشجاعة دي قدرت ترقص أحسن من مراتي، هقول لابني يتجوزها." رجع الضحك يملأ القاعة. احمر وش كريم وقال بغضب: "أنا مش حاجة بتتوهب." رد حسن باستهزاء: "اهدى... هي أصلًا مش هتكمل نص دقيقة." بصت ندى حواليها. في ناس كانت بتضحك بصوت عالي... وناس شكلها متضايق لكنها ساكتة... وناس طلعت موبايلاتها وبدأت تصور. كان قدامها اختيار. تسيب المكان، وتخلع المريلة، وتخسر الشغل اللي محتاجاه، وتسيب حسن الدمنهوري مقتنع إنه عرف قيمتها من أول نظرة. من اتناشر سنة... وهي بتهرب من المسارح... والمرايات... والموسيقى... والزحمة. ومن اتناشر سنة وهي بتحاول تقنع نفسها إن الاستخباء هو العلاج. وفجأة لمحت يوسف، عامل صغير في البوفيه، واقف عند باب المطبخ. كان بيشتغل ليل ونهار علشان يساعد أمه تدفع الإيجار. وكان شاف بنفسه الراجل وهو بيخبط فيها. وشاف حسن وهو بيحول غلطة غيرها لإهانة قدام الناس. قلعت ندى جوانتي الخدمة بهدوء وقالت: "أنا موافقة." اختفى الضحك من القاعة. حدق فيها حسن بدهشة. "إنتِ قولتي إيه؟" قالت بثبات: "قلت إني موافقة على التحدي." اختفت ابتسامة سوسن. أما كريم، فبصلها كأنه بيشوفها لأول مرة. ضحك حسن وقال: "عارفة هيحصلك إيه لو خسرتي؟" قالت: "لسه ماقولتش." رد: "هتعتذري لمراتي قدام الكل، وتعترفي إنك ضيعتي وقت الناس، وتمشي من هنا وماتفكريش ترجعي للشغل تاني." همست منى: "ندى... بلاش." لكن ندى فضلت باصة لحسن وقالت: "ولو أنا كسبت؟" فتح بقه يرد، لكنها كملت: "أنا مش عايزة ابنك... وهو من حقه يختار حياته بنفسه." بدأت بعض الموبايلات تنزل. وأضافت: "لكن إنت هتعتذر... مش ليا بس... لكل عامل وعاملة في المكان ده، لأنك عاملتوا الناس الشريفة كأن شغلهم يقلل من قيمتهم." اتغيرت ملامح حسن. "إنتِ مش في موقف يسمحلك تفرضي شروط." ردت بهدوء: "إنت اللي قدمت العرض قدام كل الناس." وقف كريم جنبها وقال: "هي معاها حق." رمقه أبوه بغضب. كان كريم نائب رئيس مجموعة الدمنهوري، لكن الكل عارف إن حسن هو اللي ماسك كل قرار. حاول سنين يحسن أوضاع الموظفين ويعمل مشروعات إسكان للشباب، لكن أبوه كان بيرفض أي قرار يقلل أرباحه. دلوقتي، وقدام مئات الكاميرات، ماقدرش يتراجع. قال بعصبية: "اتفضلي... ارقصي." وقفت سوسن في نص القاعة. بدأت ترقص بخطوات متقنة وواثقة، كأنها عمرها ما شكت إنها تستحق المكان اللي هي فيه. بدأت الفرقة تعزف الفالس. أنهت الرقصة بدوران أنيق، وتصفيق الحضور ملأ القاعة. رجعت مكانها وهي بتبتسم بثقة. وقالت: "يلا... ورينا." خطت ندى ناحية أرضية الرقص. كانت لابسة حذاء خدمة أسود قديم، عملي جدًا، لكنه مش مناسب للرقص نهائي. سألها كريم: "تحبي أجيبلك جزمة مناسبة؟" قالت: "لأ." "متأكدة؟" بصت له وقالت بابتسامة خفيفة: "لأ... بس أنا رقصت قبل كده في ظروف أصعب بكتير." استغرب من كلامها. لفت ندى ناحية قائد الفرقة وقالت: "ممكن تعيدوا نفس الفالس من الأول؟" ضحك حسن ساخرًا: "فاكرة إن الإعادة هتفرق؟" ما ردتش. بدأت أول نغمة... وفي لحظة واحدة... ما بقتش واقفة في برج الدمنهوري. رجعت اتناشر سنة لورا... كانت عندها أربعة وعشرين سنة، واقفة ورا ستارة حمراء ضخمة، مستنية تدخل نهائي بطولة الجمهورية للرقص. شريكها أحمد ماسك إيدها، وأمها قاعدة في الصف الأول، وآلاف الناس مستنيين ظهور البطلة اللي محدش قدر يهزمها. لكن الذكرى اتغيرت فجأة... مطر غزير... أنوار عربية جاية بسرعة... صوت حديد بيتكسر... وصوت أمها اختفى للأبد. سقف مستشفى أبيض... ودكتور بيقول: "إحنا أنقذنا رجلك." ودكتور تاني بيقول: "لازم تتقبلي إن حياتك من النهارده هتتغير." قفلت ندى عينيها. والموسيقى مستمرة. افتكرت أول خطوة مشيتها بعد العملية. وأول مرة وقفت من غير ما تمسك في حاجة. وأول مرة حاولت تلف... فوقعت على #حكايات_ميراا 🎀 لسه الحكاية مخلصتش.. عشان يوصلك باقي القصة لايك وكومنت وتابعوا الصفحه من هنا 👈 بين صفحات الحكايات 🎀📒🖋️أول مرة حاولت تلف... فوقعت على الأرض قدام المراية. وقتها بكت. مش عشان الألم... لكن عشان الدكتور قال لها إن الركبة هتقدر تمشي، لكن مستحيل ترجع ترقص بالمستوى اللي كانت عليه. ومن اليوم ده، ندى اختفت. لا بطولة. لا مسرح. لا أضواء. واشتغلت أي شغلانة تقدر تعيش منها هي وأخوها الصغير بعد وفاة أمها وتراكم الديون. ... رجعت للحاضر. فتحت عينيها مع آخر نغمة من مقدمة الفالس. سادت القاعة حالة صمت. رفعت ندى رأسها، وأخذت نفسًا عميقًا. ثم بدأت. خطوة... ثم خطوة تانية. كانت بسيطة جدًا. لدرجة إن حسن الدمنهوري ابتسم بسخرية. لكن بعد ثوانٍ... اتغير كل شيء. جسمها بدأ يتحرك بانسيابية غريبة. كل دورانة كانت محسوبة. كل انتقال كان هادئًا، لكنه مليان قوة. ماكانتش بترقص علشان تكسب. كانت بتحكي عمر كامل من غير كلام. بدأت الموسيقى تعلى... وبدأت ندى تدور. دورة... ثم الثانية... ثم الثالثة. رغم الإصابة القديمة... كانت بتتحكم في كل حركة كأنها بتصارع الألم نفسه. الضحك اختفى. الموبايلات كلها بقت مرفوعة. وقائد الفرقة نفسه وقف عن العزف لحظة من شدة اندهاشه، قبل ما يكمل وهو بيبص لها بإعجاب. أما سوسن... فاتسعت عيناها. همست لنفسها: "مستحيل..." التفتت بسرعة لواحد من أصدقائها القدامى وقالت: "أنا شوفت الرقصة دي قبل كده..." الرجل هز رأسه ببطء. ثم قال وهو يحاول يتذكر: "دي... دي كانت رقصة نهائي بطولة الجمهورية." وفجأة صاح رجل مسن كان يجلس في الصف الثاني. وكان من أعضاء لجنة التحكيم السابقين. "يا جماعة... أنا عرفت هي مين!" سكت الجميع. قال بصوت مرتجف: "دي ندى عبد الرحمن... بطلة مصر خمس مرات!" انتشرت الهمهمات في القاعة. "إيه؟!" "البطلة اللي اختفت؟" "مستحيل!" "إحنا كنا فاكرين إنها سافرت!" "لا... قالوا اعتزلت!" أما كريم... فبقي واقف مكانه مش قادر يبعد عينه عنها. كل اللي كان شايفه قدامه مش خدامة... كان إنسانة سلبتها الحياة حلمها، ومع ذلك واقفة بكل كرامة. انتهت الموسيقى. آخر حركة عملتها ندى كانت انحناءة بسيطة. ثم اعتدلت في هدوء. الصمت استمر خمس ثوانٍ كاملة. بعدها... انفجرت القاعة بتصفيق مدوٍ. بعض الحضور وقفوا من أماكنهم. ثم كل الصفوف وقفت واحدة وراء الثانية. تصفيق حار... استمر دقائق. حتى الفرقة الموسيقية نفسها كانت بتصفق. أما سوسن... فنزلت دمعة رغماً عنها. وقالت بصوت خافت: "أنا... عمري ما كنت أقدر أعمل اللي هي عملته." التفت الجميع إلى حسن الدمنهوري. الرجل الذي كان منذ دقائق يسخر منها... أصبح هو الوحيد الجالس. كل الكاميرات اتوجهت نحوه. تذكر شرط ندى. الاعتذار. شد على كأسه بقوة. لكن قبل أن يتكلم... دخل أحد الحراس مسرعًا وهمس في أذنه. اتغير لون وجه حسن فجأة. وقف بسرعة وهو غير مصدق. قال الحارس بصوت منخفض: "يا فندم... في لجنة من هيئة الرقابة الإدارية وصلت البرج... ومعاهم إذن تفتيش، وبيقولوا إن في بلاغات تخص مناقصات الشركة." ساد الارتباك في القاعة. وبينما الأنظار كلها اتجهت نحو حسن... ابتسمت ندى ابتسامة هادئة. لأول مرة منذ اثني عشر عامًا... شعرت أن القدر بدأ يعيد لكل شخص ما يستحقه. يتبع...أول مرة حاولت تلف... فوقعت على الأرض قدام المراية. وقتها بكت. مش عشان الألم... لكن عشان الدكتور قال لها إن الركبة هتقدر تمشي، لكن مستحيل ترجع ترقص بالمستوى اللي كانت عليه. ومن اليوم ده، ندى اختفت. لا بطولة. لا مسرح. لا أضواء. واشتغلت أي شغلانة تقدر تعيش منها هي وأخوها الصغير بعد وفاة أمها وتراكم الديون. ... رجعت للحاضر. فتحت عينيها مع آخر نغمة من مقدمة الفالس. سادت القاعة حالة صمت. رفعت ندى رأسها، وأخذت نفسًا عميقًا. ثم بدأت. خطوة... ثم خطوة تانية. كانت بسيطة جدًا. لدرجة إن حسن الدمنهوري ابتسم بسخرية. لكن بعد ثوانٍ... اتغير كل شيء. جسمها بدأ يتحرك بانسيابية غريبة. كل دورانة كانت محسوبة. كل انتقال كان هادئًا، لكنه مليان قوة. ماكانتش بترقص علشان تكسب. كانت بتحكي عمر كامل من غير كلام. بدأت الموسيقى تعلى... وبدأت ندى تدور. دورة... ثم الثانية... ثم الثالثة. رغم الإصابة القديمة... كانت بتتحكم في كل حركة كأنها بتصارع الألم نفسه. الضحك اختفى. الموبايلات كلها بقت مرفوعة. وقائد الفرقة نفسه وقف عن العزف لحظة من شدة اندهاشه، قبل ما يكمل وهو بيبص لها بإعجاب. أما سوسن... فاتسعت عيناها. همست لنفسها: "مستحيل..." التفتت بسرعة لواحد من أصدقائها القدامى وقالت: "أنا شوفت الرقصة دي قبل كده..." الرجل هز رأسه ببطء. ثم قال وهو يحاول يتذكر: "دي... دي كانت رقصة نهائي بطولة الجمهورية." وفجأة صاح رجل مسن كان يجلس في الصف الثاني. وكان من أعضاء لجنة التحكيم السابقين. "يا جماعة... أنا عرفت هي مين!" سكت الجميع. قال بصوت مرتجف: "دي ندى عبد الرحمن... بطلة مصر خمس مرات!" انتشرت الهمهمات في القاعة. "إيه؟!" "البطلة اللي اختفت؟" "مستحيل!" "إحنا كنا فاكرين إنها سافرت!" "لا... قالوا اعتزلت!" أما كريم... فبقي واقف مكانه مش قادر يبعد عينه عنها. كل اللي كان شايفه قدامه مش خدامة... كان إنسانة سلبتها الحياة حلمها، ومع ذلك واقفة بكل كرامة. انتهت الموسيقى. آخر حركة عملتها ندى كانت انحناءة بسيطة. ثم اعتدلت في هدوء. الصمت استمر خمس ثوانٍ كاملة. بعدها... انفجرت القاعة بتصفيق مدوٍ. بعض الحضور وقفوا من أماكنهم. ثم كل الصفوف وقفت واحدة وراء الثانية. تصفيق حار... استمر دقائق. حتى الفرقة الموسيقية نفسها كانت بتصفق. أما سوسن... فنزلت دمعة رغماً عنها. وقالت بصوت خافت: "أنا... عمري ما كنت أقدر أعمل اللي هي عملته." التفت الجميع إلى حسن الدمنهوري. الرجل الذي كان منذ دقائق يسخر منها... أصبح هو الوحيد الجالس. كل الكاميرات اتوجهت نحوه. تذكر شرط ندى. الاعتذار. شد على كأسه بقوة. لكن قبل أن يتكلم... دخل أحد الحراس مسرعًا وهمس في أذنه. اتغير لون وجه حسن فجأة. وقف بسرعة وهو غير مصدق. قال الحارس بصوت منخفض: "يا فندم... في لجنة من هيئة الرقابة الإدارية وصلت البرج... ومعاهم إذن تفتيش، وبيقولوا إن في بلاغات تخص مناقصات الشركة." ساد الارتباك في القاعة. وبينما الأنظار كلها اتجهت نحو حسن... ابتسمت ندى ابتسامة هادئة. لأول مرة منذ اثني عشر عامًا... شعرت أن القدر بدأ يعيد لكل شخص ما يستحقه. يتبع...توقفت السيارة السوداء على بُعد أمتار. نزل منها رجل في أواخر الخمسينيات، ببدلة رمادية بسيطة، وعلى وجهه ملامح شخص يحمل عبئًا منذ سنوات. نادى بهدوء: "ندى." التفتت باستغراب. حدقت فيه لثوانٍ، ثم هزت رأسها. "أنا معرفكش." ابتسم بحزن. "اسمي المستشار عادل السيوفي... وكنت وكيل النيابة اللي حقق في حادثة وفاة والدتك." تغير لون وجهها. الحادثة... اللي فضلت سنين تحاول تنساها. قالت بصوت مرتعش: "القضية اتقفلت... قالوا إنه حادث." فتح الرجل الملف الذي كان يحمله. ثم أخرج صورة قديمة ووضعها بين يديها. كانت صورة لسيارة سوداء محطمة. لكن في خلفية الصورة... ظهر جزء من سيارة أخرى وهي تهرب من المكان. رفعت ندى رأسها بسرعة. "يعني... ماكانش حادث؟" تنهد المستشار. "كان فيه شاهد، لكنه اختفى قبل ما يدلي بأقواله. والملف اتقفل لعدم كفاية الأدلة." سألته وهي تحاول تسيطر على دموعها: "وليه بترجع دلوقتي؟" أجاب: "لأن الشاهد رجع." في نفس اللحظة... رن هاتفه. رد بسرعة. ثم اتغيرت ملامحه. قال بقلق: "إيه؟!" سكت لحظات. ثم أغلق الهاتف. بص لندى وقال: "الشاهد تعرض لمحاولة اعتداء وهو جاي يقابلنا." شهقت ندى. "هو عايش؟" "أيوه... لكنه في المستشفى." ... في صباح اليوم التالي... وصلت ندى مع المستشار إلى المستشفى. دخلوا الغرفة. كان الشاهد رجلًا مسنًا، ملامحه مرهقة. بمجرد ما شاف ندى، دمعت عيناه. قال بصوت ضعيف: "سامحيني... سكت كل السنين دي." جلست بجواره. "قول الحقيقة دلوقتي." تنهد الرجل. "أنا كنت سواق تاكسي... وشفت العربية اللي خبطتكم." "مين كان سايقها؟" أغمض عينيه. ثم نطق باسم جعل المستشار نفسه يتجمد. "ماكانش شخص غريب..." فتح الباب فجأة. ودخل أحد الضباط مسرعًا. "يا فندم... لازم نقفل الزيارة حالًا." استغرب المستشار. "ليه؟" رد الضابط: "لأن في حد حاول يدخل المستشفى باسم طبيب مزيف... وكان معاه حقنة مجهولة." ساد الصمت. أدرك الجميع أن هناك من لا يزال يخشى ظهور الحقيقة. أما الرجل المسن... فأمسك يد ندى بقوة وهمس قبل أن يفقد وعيه: "دوري... في الدفتر الأزرق... داخل بيت أمك القديم." ثم أغمض عينيه. نظرت ندى إلى المستشار. فقال بحزم: "واضح إننا مش بنواجه مجرد حادث قديم... إحنا بنفتح باب سر اتقفل من اتناشر سنة." يتبع...تجمدت ندى وهي تقرأ آخر سطر. "ابحثوا عن الرجل الذي مات وهو ما زال حيًا." رفعت رأسها ببطء. وقالت للمستشار عادل: "يعني شريف المنشاوي... مزورش موته؟" رد وهو يقلب أوراق الدفتر: "لو الكلام ده صحيح، يبقى في ناس ساعدته يختفي... وناس فضلت تحمي السر اتناشر سنة." وفجأة... صدر صوت سيارة تقف أمام البيت. أطفأ المستشار المصباح بسرعة. نظر الاثنان من خلف الستارة. نزل ثلاثة رجال. كان أحدهم يحمل مصباحًا يدويًا. وقال بصوت خافت: "فتشوا البيت كله... لازم نجيب الدفتر قبل ما يوصلوا له." اتسعت عينا ندى. همست: "عرفوا!" أمسك المستشار بيدها وأشار نحو الباب الخلفي. لكن قبل أن يتحركا... صدر صوت ارتطام قوي. تحطم الباب الأمامي. دخل الرجال إلى المنزل. اختبأت ندى خلف خزانة قديمة، بينما وقف المستشار في الظلام ممسكًا بعصا خشبية. اقترب أحد الرجال من المراية. ضغط على الإطار. فتح الدرج السري. لكنه وجده فارغًا. صرخ بغضب: "متأخرين!" وفي اللحظة نفسها... قفز المستشار من مكانه وضرب الرجل بالعصا، ثم صاح: "اجري يا ندى!" ركضت بأقصى سرعتها نحو الباب الخلفي. خرجت إلى الحديقة. لكن أحد الرجال لحق بها. وقبل أن يمسكها... سمع الجميع صوت صفارات الشرطة. توقفت ثلاث سيارات أمام البيت. قفز الضباط منها، وفر الرجال في كل اتجاه. تمكنت الشرطة من القبض على اثنين منهم، بينما هرب الثالث بسيارة سوداء بلا لوحات. ... بعد ساعة... كانت ندى تجلس في قسم الشرطة، والدفتر الأزرق أمامها. دخل ضابط شاب يحمل ملفًا. وقال: "لقينا بصمات على الصندوق المعدني." سأله المستشار: "لِمين؟" فتح الضابط الملف. ثم قال: "البصمات مطابقة لشخص اسمه شريف المنشاوي." صمت الجميع. قالت ندى بدهشة: "لكنهم قالوا إنه مات!" رد الضابط: "وده اللي خلانا نراجع ملف الوفاة." ثم أخرج ورقة أخرى. وأضاف: "الج/ثة اللي اتدفنت وقتها ماكانتش ج/ثته." ساد الصمت في الغرفة. لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر التقرير. قال الضابط: "في شخص هو اللي استلم شهادة الوفاة بنفسه... ووقّع عليها كشاهد." رفع المستشار الورقة. وقرأ الاسم. ثم أغلق الملف ببطء. ونظر إلى ندى قائلًا: "الاسم ده هيقلب كل حاجة." سألته بلهفة: "مين؟" تنهد وقال: "حسن الدمنهوري." شهقت ندى. لكن قبل أن تتكلم... رن هاتف حسن الدمنهوري في مكانٍ آخر. نظر إلى الشاشة. كان رقم مجهول. رد بحذر. فجاءه صوت رجل يقول: "أنا شريف المنشاوي... ولو عايز تحافظ على حياة ابنك كريم، نفذ اللي هقوله بالحرف." تجمد حسن في مكانه... وأدرك أن الماضي الذي ظن أنه انتهى... عاد لينتقم من الجميع. يتبع...تجمد حسن الدمنهوري وهو ماسك الهاتف. لأول مرة منذ سنوات... اهتز صوته وهو يقول: "إنت... مستحيل تكون شريف." ضحكة هادئة خرجت من الطرف الآخر. "واضح إنك نسيت صوتي، لكن أنا ما نسيتكش." ثم أُغلق الخط. ظل حسن ينظر إلى الهاتف لثوانٍ، قبل أن يطلب مدير أمنه الخاص. "اقفلوا كل مداخل الفيلا... وابعتوا ناس لكريم حالًا." ... في الوقت نفسه، كان كريم خارجًا من مقر الشركة بعد يوم طويل. وما إن ركب سيارته حتى لاحظ ورقة صغيرة تحت ماسحة الزجاج. فتحها. كان مكتوبًا بخط واضح: "اسأل أبوك عن ليلة 17 أكتوبر... اللي مات فيها بريء وعاش مذنب." انعقد حاجباه. ركب السيارة واتجه مباشرة إلى الفيلا. ... في المساء... اجتمع كريم مع والده في المكتب. وضع الورقة أمامه وقال: "عايز الحقيقة." نظر حسن إلى الورقة، ثم جلس بصمت طويل. وأخيرًا قال: "أنا كنت أعرف شريف... وكان شريكي." "وده أعرفه." "لكن اللي ما تعرفوش... إننا اختلفنا لما اكتشفت إنه بيزور عقود أراضي ناس بسطاء، وبيسجلها بأسماء شركات وهمية." نظر كريم إلى والده في دهشة. وأكمل حسن: "بلغت عنه سرًا، وفسخت الشراكة. بعدها بأيام اختفى، والناس كلها صدقت إنه مات." "وليه ما قلتش الحقيقة؟" أطرق حسن رأسه. "لأن أي كلام وقتها كان هيعرض عيلتنا للخطر... وكان فيه تهديدات وصلت لوالدتك." ... في صباح اليوم التالي... طلب المستشار عادل مقابلة حسن بحضور ندى. دخل حسن إلى قاعة صغيرة في مقر النيابة. كانت ندى جالسة أمامه. نظر إليها طويلًا. ثم وقف فجأة. وقال أمام الجميع: "أنا مدين لك باعتذار." ساد الصمت. أكمل بصوت ثابت: "أنا أهانتك قدام الناس... وحكمت عليك من مظهرك، وده كان أكبر غلط." ثم التفت إلى الموظفين الموجودين. وقال: "وأعتذر لكل عامل وعاملة في شركات الدمنهوري. من النهارده، أي موظف هيكون له حق تقديم شكوى مباشرة لمكتبي، وهراجع بنفسي كل لوائح المعاملة." نظرت إليه ندى دون أن تتكلم. قال لها: "مش بطلب منك تسامحيني... لكن كان لازم أقول الحق." ابتسمت ابتسامة هادئة. "الاعتذار الحقيقي... هو إن اللي حصل ما يتكررش مع حد." هز حسن رأسه موافقًا. ... وقبل أن ينتهي اللقاء... دخل أحد الضباط مسرعًا. وقال: "لقينا مكان شريف المنشاوي." وقف الجميع. "فين؟" رد الضابط: "في مخزن قديم على طريق السويس... لكن أول ما قواتنا وصلت، لقوا المكان فاضي." "وساب حاجة؟" ناول الضابط المستشار ظرفًا بنيًا. فتحوه. كان بداخله فلاشة إلكترونية. شغلوها على الكمبيوتر. ظهر شريف المنشاوي في تسجيل مصور. ابتسم للكاميرا وقال: "لو بتشوفوا الفيديو ده... يبقى خطتي نجحت. لكن الحقيقة اللي بتدوروا عليها مش عندي... الحقيقة مع شخص محدش فيكم شك فيه أبدًا." ثم رفع صورة قديمة أمام الكاميرا. كانت الصورة تجمعه مع شخص يقف ووجهه غير واضح بسبب تمزق الصورة. وقال: "لما تعرفوا مين الشخص ده... هتعرفوا مين قت/ل أم ندى فعلًا." وانقطع التسجيل. ساد الصمت. اقتربت ندى من الشاشة، ثم اتسعت عيناها وهي تلاحظ شيئًا صغيرًا في الصورة... خاتم فضي مميز في يد الرجل المجهول. كان نفس الخاتم... الذي رأته قبل أيام في يد شخص لم يخطر ببالها أبدًا. يتبع...حدقت ندى في الصورة، وقلبها بدأ يخفق بقوة. الخاتم الفضي... كان عليه نقش صغير على شكل صقر. همست: "أنا شفت الخاتم ده..." التفت إليها المستشار عادل بسرعة. "فين؟" أغمضت عينيها تحاول تتذكر. ثم فتحتهما فجأة. "كان في إيد..." وقبل أن تكمل، قاطعها كريم: "في إيد مين؟" قالت وهي ما زالت غير مصدقة: "عم سعيد..." ساد الصمت. تبادل الجميع النظرات. قال كريم باستغراب: "عم سعيد؟ السواق اللي شغال عندنا من أكتر من عشرين سنة؟" هزت ندى رأسها ببطء. "هو نفسه... كان واقف يوم الحفل، ولما كنت خارجة شفته لابس الخاتم ده." قطب حسن حاجبيه. "سعيد معايا من قبل ما أعمل الشركة. مستحيل." لكن المستشار عادل قال بهدوء: "في التحقيقات مفيش حاجة اسمها مستحيل." ... في أقل من ساعة، وصلت قوة من الشرطة إلى منزل سعيد. لكنهم وجدوا الباب مفتوحًا. والبيت خاليًا. كانت الملابس مختفية. وجواز السفر غير موجود. أما على الطاولة... فكانت هناك ورقة واحدة. مكتوب فيها: "تأخرتوا." شعر الجميع أن سعيد كان يراقبهم طوال الوقت. ... في اليوم التالي، انتشر خبر هروب سعيد في وسائل الإعلام. وبدأت القنوات تتحدث عن القضية القديمة من جديد. أما ندى... فلم تكن تهتم بالشهرة. كل ما كانت تريده هو معرفة الحقيقة. وفي المساء، بينما كانت تجلس في شقتها الصغيرة، سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. فتحت بحذر. وجدت يوسف، عامل البوفيه. كان يلهث من شدة الجري. قال: "لقيت حاجة لازم تشوفيها." أخرج من حقيبته صورة قديمة. "وأنا بنضف مخزن الفندق، لقيت صندوقًا قديمًا فيه أوراق وصور تخص حفل قديم كانت الشركة عاملاه." أخذت ندى الصورة. كانت بالأبيض والأسود. وفي الخلفية... ظهر عم سعيد. لكن المفاجأة أنه لم يكن يقف بجوار حسن. بل كان يقف بجوار... أم ندى. شهقت. قلبت الصورة. كان مكتوبًا بخط اليد: "افتتاح مركز تدريب الفنون – قبل 15 عامًا." نظر المستشار إلى الصورة مليًا، ثم قال: "يبقى سعيد كان يعرف والدتك قبل الحادث بسنين." وقبل أن يعلق أحد... رن هاتف ندى. رقم غير معروف. ترددت للحظة، ثم أجابت. جاءها صوت رجل مسن: "أنا سعيد." تجمد الجميع. قال بصوت متعب: "أنا ما قت/لتش أمك... لكني شفت اللي قت/لها." سألته ندى بسرعة: "فين أنت؟" رد: "مش هقدر أقول في التليفون... لأنهم بيسمعوا." ثم أضاف قبل أن يغلق الخط: "لو عايزة الحقيقة... تعالي بكرة الساعة ستة الصبح... لمحطة القطار القديمة." وانقطع الاتصال. نظر المستشار إلى ندى وقال: "ممكن يكون فخ." أجابته بثبات: "وممكن يكون آخر فرصة أعرف فيها الحقيقة." وفي صباح اليوم التالي... وقفت ندى على رصيف المحطة القديمة. كانت الساعة تقترب من السادسة. والضباب يغطي المكان. وفجأة... ظهر سعيد من بين الضباب، يحمل حقيبة جلدية قديمة. اقترب منها ببطء وقال: "كل الأسرار اللي بتدوري عليها... موجودة جوه الحقيبة." لكن قبل أن يسلمها لها... دوى صوت إطلاق نار في أرجاء المحطة. وسقط سعيد على الأرض، بينما انزلقت الحقيبة من يده إلى قدمي ندى. يتبع...تجمدت ندى مكانها. صرخت: "عم سعيد!" ألقى المستشار عادل بنفسه خلف أحد الأعمدة وهو يصيح: "انبطحوا!" عمّت الفوضى في المحطة. هرب الناس في كل اتجاه، بينما ركض كريم، الذي كان يتابع ندى من بعيد خوفًا عليها، نحو سعيد. التقط ندى الحقيبة بسرعة واحتضنتها. ثم نظرت حولها. لمحت رجلًا يرتدي قبعة سوداء يجري نحو سيارة بيضاء كانت تنتظره خارج المحطة. صرخ كريم: "رقم العربية!" لكن السيارة انطلقت بأقصى سرعة قبل أن يتمكن أحد من إيقافها. ... وصلت سيارة الإسعاف خلال دقائق. كان سعيد ما يزال يتنفس بصعوبة. أمسك بيد ندى. وقال بصوت متقطع: "افتحي... الحقيبة..." فتحتها وهي ترتجف. في الداخل كان يوجد: مجموعة عقود قديمة. شريط فيديو صغير. ومظروف أصفر مغلق. أشار سعيد إلى المظروف. فتحته. وجدت رسالة مكتوبة بخط يد والدتها. بدأت تقرأ بصوت مرتجف: > "ندى... لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى سعيد نفذ وعده. لو حصلي حاجة، اعرفي إن الشخص اللي حاول يقت/لني ما كانش يقصدني أنا... كان بيدور على المستندات اللي معايا." توقفت ندى عن القراءة. شهقت. "يعني... أمي ما كانتش هي الهدف؟" هز سعيد رأسه بصعوبة. ثم قال: "الهدف... كان الحقيبة." نظر إليه المستشار بدهشة. "فضلت مخبيها كل السنين دي؟" ابتسم سعيد ابتسامة ضعيفة. "وعدت أمها... أحافظ عليها لحد ما تكبر." ثم أغمض عينيه. انخفض صوت جهاز الإسعاف. نظر المسعف إلى الجميع وقال بهدوء: "البقاء لله..." انهمرت دموع ندى. رغم أنه لم يكن والدها... إلا أنه مات وهو يحاول يوصل لها الحقيقة. ... بعد يومين... تم تشغيل شريط الفيديو الموجود في الحقيبة داخل مقر النيابة. ظهر تسجيل قديم من كاميرا مراقبة. الصورة كانت مهزوزة، لكنها واضحة بما يكفي. ظهرت أم ندى وهي تخرج من أحد المكاتب ومعها الحقيبة. وبعد ثوانٍ... ظهر رجل يركض خلفها. ثم توقفت الصورة عند لحظة رفع وجهه. كبر خبير الأدلة الصورة. ساد الصمت. قال الضابط: "مش معقول..." اقتربت ندى من الشاشة. والدموع في عينيها. الرجل لم يكن حسن الدمنهوري. ولم يكن شريف المنشاوي. بل كان... محامي شركة المنشاوي السابق، سامح الجبالي. قال المستشار عادل: "سامح اختفى من عشر سنين... وكل الناس افتكرت إنه هاجر." رد خبير الأدلة: "واضح إنه ما هاجرش... واضح إنه غير هويته." وفي اللحظة نفسها... دخل أحد الضباط مسرعًا. "يا فندم... لقينا معلومة جديدة." "إيه هي؟" "سامح الجبالي بيشتغل من خمس سنين باسم مزور... مديرًا لإحدى الشركات الدولية." سأل كريم: "اسم الشركة؟" فتح الضابط الملف. ثم قال: "المفاجأة... إن الشركة دي هي اللي قدمت عرض شراء برج الدمنهوري الشهر اللي فات." نظر حسن إلى الملف، ثم جلس ببطء وهو يتمتم: "يعني... كل اللي حصل من البداية... كان جزء من خطة واحدة." ابتسم المستشار عادل ابتسامة خفيفة وقال: "وأخيرًا... بقينا نعرف عدونا الحقيقي." لكنهم لم يكونوا يعلمون... أن سامح الجبالي كان يشاهد كل ما يحدث عبر شاشة في مكتبه، ثم أغلق التسجيل وقال لرجل يقف بجواره: "دلوقتي... ابدأ المرحلة الأخيرة." تمت.بعد ستة أشهر... وقفت ندى على خشبة مسرح دار الثقافة في القاهرة. لكن المرة دي... ما كانتش لابسة يونيفورم خدمة. كانت لابسة فستان أبيض بسيط، وحواليها عشرات الأطفال اللي بتدربهم مجانًا. بعد انتشار قصتها، كريم الدمنهوري نفذ وعده. أسس مؤسسة لدعم الأطفال الموهوبين، وكتب على أول لافتة عند المدخل: "لا يوجد عمل يقلل من قيمة صاحبه... وإنما الأخلاق هي التي ترفع الإنسان." أما حسن الدمنهوري... فوقف في الصف الأول، وصفق قبل أي شخص. ومن يوم الاعتذار، اتغيرت معاملته لكل موظفيه، وألغى لوائح قديمة كانت بتسمح بإهانة العمال أو خصم رواتبهم من غير تحقيق. ... وفي صباح أحد الأيام... دخل المستشار عادل إلى مكتب النائب العام بابتسامة. قال: "قدرنا نقبض على سامح الجبالي." رفع النائب العام رأسه. "اعترف؟" أخرج المستشار ملفًا سميكًا. "اعترف بكل حاجة." وتبين أن سامح كان يدير شبكة لتزوير عقود الأراضي والاستيلاء على أملاك البسطاء. ولما اكتشفت والدة ندى المستندات، حاول يسرق الحقيبة منها. وأثناء مطاردتها... اصطدمت سيارتها بشاحنة. لم يكن يقصد ق/تلها... لكن هروبه من مكان الحادث وطمس الأدلة هو ما أخفى الحقيقة اثني عشر عامًا. أما شريف المنشاوي... فقد تم القبض عليه بعد أيام في إحدى الدول المجاورة، وثبت أنه زوّر خبر وفاته بمساعدة أفراد من الشبكة نفسها. ... بعد انتهاء التحقيقات... زار حسن ندى في مركز التدريب. قال لها: "أنا كنت فاكر إن النجاح معناه الفلوس والمباني." نظر إلى الأطفال وهم يضحكون. ثم أكمل: "لكن واضح إن النجاح الحقيقي... هو الأثر اللي بيسيبه الإنسان." ابتسمت ندى وقالت: "وأهم درس اتعلمناه... إننا ما نحكمش على حد من هدومه أو شغله." مد حسن يده. صافحته ندى. كانت مصافحة احترام... لا أكثر. ... أما كريم... فظل قريبًا من ندى طوال الشهور الماضية، يساعدها في تجهيز المركز، ويحضر عروض الأطفال، ويشجعها على العودة للرقص. لكن هذه المرة... لم يكن هناك أي ضغط. ولا أي وعود. ولا أي شروط. وفي مساء هادئ، وقف بجوارها بعد انتهاء عرض للأطفال. وقال مبتسمًا: "فاكرة أول مرة شوفتك؟" ضحكت. "وأنت واقف تدافع عني قدام أبوك." قال: "من يومها وأنا عرفت إن القوة مش في المنصب... القوة في الشخص اللي يقدر يحافظ على كرامته وهو بيتظلم." سكت لحظة. ثم قال: "ندى... لو وافقتِ، أحب أبدأ معاكي حياة جديدة." نظرت إليه طويلًا. ثم ابتسمت وقالت: "المرة دي... أنا اللي هختار." وبعد عام... امتلأت القاعة نفسها التي شهدت إهانتها بالناس مرة أخرى. لكن هذه المرة... لم يكن هناك تحدٍ. ولا سخرية. كان هناك عقد زواج. وقف حسن الدمنهوري بنفسه يستقبل الضيوف، وكل عامل في الشركة كان مدعوًا للحفل مثل كبار رجال الأعمال، بلا تمييز. وعندما طلب الجميع من ندى أن ترقص... ابتسمت. ثم أمسكت يد كريم. ورقصا رقصة هادئة، ليس لإثبات أنها بطلة... بل احتفالًا بأنها أخيرًا استعادت حياتها. النهاية.بعد ثلاث سنوات... كانت شمس الصباح تدخل من النوافذ الزجاجية الواسعة لمركز "أمل للفنون"، بينما كان ضحك الأطفال يملأ المكان. وقفت ندى في منتصف القاعة، تصفق بإيقاع هادئ. "واحد... اتنين... تلاتة... ممتاز يا سلمى." ضحكت الطفلة ذات الثماني سنوات، وأكملت خطواتها وسط تشجيع باقي الأطفال. من بعيد، كان كريم يراقبها بابتسامة. اقترب منها وقال: "كل مرة بشوفك هنا، بحس إنك أخيرًا رجعتي للمكان اللي كان المفروض تكوني فيه من زمان." ابتسمت ندى. "وأنا كل يوم بشكر ربنا إنه رجعلي حياتي." وقبل أن يكمل حديثه... رن هاتف كريم. نظر إلى الشاشة، فتغيرت ملامحه. المتصل كان مدير الأمن في مجموعة الدمنهوري. رد بسرعة. "خير؟" جاءه الصوت مرتبكًا: "يا فندم... في مشكلة كبيرة." "إيه اللي حصل؟" "في حد دخل الأرشيف الرئيسي للشركة بالليل... وسرق ملفات قديمة." قطب كريم حاجبيه. "ملفات إيه؟" "الملفات الخاصة بكل الأراضي اللي كانت محل نزاع من عشرين سنة." تبادل كريم وندى النظرات. شعرت ندى بقشعريرة. قالت بهدوء: "فاكر القضية القديمة؟" هز رأسه. "أيوه... لكن المفروض إنها انتهت." ردت: "اللي بيسرق الملفات دي... غالبًا بيدور على حاجة لسه ما ظهرتش." ... وفي الوقت نفسه... داخل سجن شديد الحراسة... كان شريف المنشاوي يجلس في زنزانته يقرأ جريدة. دخل أحد الحراس ووضع أمامه خطابًا بلا اسم مرسل. فتح شريف الظرف. قرأ السطر الأول. ثم ابتسم لأول مرة منذ سنوات. كانت الرسالة تقول: "اطمئن... المرحلة الثانية بدأت." رفع رأسه نحو النافذة الصغيرة وقال لنفسه: "واضح إنك نفذت وعدك." ثم مزق الرسالة إلى قطع صغيرة. ... في مساء اليوم نفسه... كانت ندى تغلق المركز بعد انتهاء التدريب. لاحظت وجود فتاة صغيرة تجلس وحدها على درجات السلم. اقتربت منها. "يا حبيبتي... مستنية حد؟" رفعت الطفلة رأسها. كانت تبكي. قالت بصوت خافت: "ماما قالت لي أستناها هنا... وما رجعتش." شعرت ندى بالقلق. "اسمك إيه؟" "ليان." "وعندك كام سنة؟" "سبعة." اتصلت ندى بالشرطة، لكن قبل وصولهم... ظهرت سيارة سوداء أمام المركز. نزل منها رجل أنيق. ابتسم وهو يقترب. "دي بنتي... شكرًا إنك فضلتي معاها." لكن الطفلة أمسكت بيد ندى بقوة وهي تصرخ: "لأ... ده مش بابا!" تجمد الرجل مكانه. وفي اللحظة نفسها... بدأ يجري نحو السيارة. لكن كريم، الذي كان قد خرج من المركز، اندفع خلفه. بدأت مطاردة بين السيارات في شوارع القاهرة. وقبل أن يتمكن كريم من الإمساك به... اختفت السيارة داخل نفق مزدحم. ... بعد ساعات... أخبرت الطفلة الشرطة أن الرجل حاول خطفها من أمام مدرستها، لكنها هربت واختبأت حتى وصلت إلى المركز. وبعد مراجعة كاميرات المراقبة... ظهر شيء أربك الجميع. الرجل الذي حاول خطفها... كان يحمل في يده خاتمًا فضيًا منقوشًا عليه صقر... نفس شعار الشبكة التي ظن الجميع أنها انتهت. نظر المستشار عادل إلى الصورة وقال بصوت منخفض: "واضح إن سقوط شريف المنشاوي ما كانش نهاية الحكاية..." أما ندى... فأدركت أن المعركة التي اعتقدت أنها انتهت منذ ثلاث سنوات... كانت قد بدأت من جديد. يتبع...بعد يومين... كانت صورة الخاتم معروضة على شاشة كبيرة داخل قاعة الاجتماعات في إدارة البحث الجنائي. وقف المستشار عادل أمام الضباط وقال: "الخاتم ده مش مجرد قطعة فضة... ده كان علامة أفراد شبكة قديمة كانت بتشتغل في تزوير العقود وغسل الأموال. كنا فاكرين إنها انتهت بعد القبض على شريف المنشاوي وسامح الجبالي." سأل أحد الضباط: "يعني لسه في أفراد بره؟" أجاب عادل: "واضح إن في حد استلم القيادة بعدهم." في تلك اللحظة، دخل ضابط شاب يحمل تقريرًا. قال: "لقينا بصمة الرجل اللي حاول يخطف الطفلة." رد كريم بسرعة: "عرفتوا مين؟" فتح الضابط الملف وقال: "اسمه محمود عزت... لكن المفاجأة إنه متوفي رسميًا من خمس سنين." نظر الجميع إلى بعضهم في صدمة. تنهد المستشار وقال: "واضح إنهم بيستخدموا نفس الطريقة... تزوير الوفيات." ... في المساء... لم تستطع ندى النوم. كانت تفكر في الطفلة ليان. شيء في ملامحها كان مألوفًا جدًا. وفي الصباح، ذهبت لزيارتها في دار رعاية مؤقتة حتى يتم العثور على أسرتها. ما إن رأتها ليان حتى ركضت نحوها واحتضنتها. قالت ندى مبتسمة: "عاملة إيه يا بطلة؟" ابتسمت ليان لأول مرة. ثم أخرجت من جيبها سلسلة صغيرة. وقالت: "دي كانت معايا من وأنا صغيرة." أخذتها ندى. وفجأة... تجمدت. السلسلة كانت تحمل نفس الشعار الذي كانت والدتها ترتديه دائمًا... فراشة صغيرة من الفضة. همست: "إزاي؟" سألتها: "مين جاب لك السلسلة دي؟" هزت ليان كتفيها. "مش عارفة... ماما قالت لي ما أقلعهاش أبدًا." ... في الوقت نفسه... كان كريم يراجع ملفات قديمة في أرشيف الشركة. لفت نظره عقد بيع مؤرخ قبل خمسة عشر عامًا. الورقة تحمل توقيعًا غريبًا. وتحت التوقيع... اسم لم يسمعه من قبل: "جمعية نور المستقبل." بحث عنها في قاعدة البيانات. لا وجود لها. وكأنها لم تكن موجودة أصلًا. لكن العقد يثبت أنها اشترت عشرات الأراضي. رفع سماعة الهاتف واتصل بالمستشار عادل. "أعتقد لقيت بداية الخيط." ... وفي مكان مجهول... دخل الرجل صاحب الخاتم إلى قاعة مظلمة. جلس أمامه شخص لا يظهر منه سوى صوته. قال الرجل: "فشلنا في خطف البنت." رد الصوت بهدوء: "كنت متوقع." "نعمل إيه دلوقتي؟" ساد صمت لثوانٍ. ثم قال الرجل الغامض: "سيبوا الطفلة..." استغرب الرجل. "ليه؟" جاءه الرد: "لأن الهدف الحقيقي... مش هي." "أمال مين؟" قال الصوت ببرود: "ندى." وساد الصمت في القاعة. أما في الخارج... فكانت ندى لا تعرف أن شخصًا يقف على الجانب الآخر من الشارع، يراقب منزلها بعدسة كاميرا، ثم التقط صورة لها، وأرسلها في رسالة قصيرة مكتوب فيها: "تم تحديد الهدف." يتبع...في الليلة نفسها... كانت ندى تجلس في شرفة منزلها تشرب كوبًا من الشاي، بينما كان كريم يراجع بعض ملفات الشركة. قطع الصمت صوت رسالة وصلت إلى هاتف كريم. فتحها. لم يكن فيها أي كلام... فقط صورة. صورة لندى وهي واقفة في الشرفة قبل ثوانٍ. انتفض كريم من مكانه. رفع رأسه بسرعة نحو الشارع. لكن لم يكن هناك أحد. اتصل فورًا بالمستشار عادل. "حد بيراقب البيت." ... خلال أقل من عشر دقائق، وصلت سيارة الشرطة. راجعوا كاميرات المراقبة الموجودة أمام الفيلا. ظهر رجل يرتدي قبعة سوداء، يلتقط الصورة، ثم يركب دراجة نارية ويختفي. لكن قبل أن يغادر... التفت للحظة نحو الكاميرا. قال الضابط: "كبر الصورة." ظهرت ملامحه بوضوح. هتف كريم بدهشة: "ده مش الرجل اللي حاول يخطف ليان!" رد الضابط: "لأ... ده شخص تاني." وأضاف وهو يقلب قاعدة البيانات: "اسمه فادي السيوفي... صحفي استقصائي." استغرب الجميع. "صحفي؟" ... في صباح اليوم التالي... طلب فادي مقابلة ندى بنفسه. رفض كريم في البداية. لكن المستشار عادل قال: "خلينا نسمعه." دخل فادي بهدوء. ووضع حقيبة صغيرة على الطاولة. ثم قال: "أنا مش عدوكم." فتح الحقيبة. أخرج عشرات الصور والملفات. وقال: "بقالي سبع سنين بتتبع منظمة اسمها "الظل"." نظر إليه كريم. "مين دول؟" أجاب: "منظمة بتدخل الشركات والجمعيات الخيرية والمؤسسات الكبيرة، وتستخدمها ستار لغسل الأموال وتهريب الآثار." سألته ندى: "وإيه علاقتهم بيا؟" سحب صورة ووضعها أمامها. كانت صورة قديمة جدًا لوالدتها. لكنها لم تكن وحدها. كانت تقف بجوار رجل وامرأة، ويحمل الثلاثة لافتة مكتوب عليها: "جمعية نور المستقبل." شهقت ندى. "دي الجمعية اللي كريم لقى اسمها في العقود." هز فادي رأسه. "بالضبط." ثم أكمل: "الجمعية بدأت كمؤسسة خيرية حقيقية... لكن بعد سنوات، سيطرت عليها المنظمة." سأل المستشار: "ووالدة ندى؟" رد فادي: "كانت أول واحدة اكتشفت اللي بيحصل." ساد الصمت. ثم أخرج آخر صورة. وقال: "ودي أخطر صورة عندي." أخذها كريم. وبمجرد ما نظر إليها... وقف من مكانه. كانت الصورة حديثة، التقطت قبل أسبوعين فقط. وتظهر فيها... رجلًا يجلس في مقهى. أمامه شخص آخر. وعندما قلب كريم الصورة نحو ندى... تجمدت ملامحها. الشخص الثاني... كان حسن الدمنهوري. قال كريم بصدمة: "مستحيل... بابا ما قالش إنه قابله." نظر الجميع إلى حسن عندما دخل في تلك اللحظة، بعد أن استدعاه المستشار. وضع كريم الصورة أمامه. سأله بهدوء: "مين الراجل ده؟" نظر حسن إلى الصورة. ثم أغلق عينيه لثوانٍ. وقال: "أنا كنت مخبي الحقيقة دي... علشان أحميكم." ساد صمت ثقيل. ثم قال: "الراجل اللي في الصورة..." "هو أخويا الأصغر." شهقت ندى. أما كريم... فنظر إلى والده غير مصدق. "إحنا... عندنا عم؟!" أومأ حسن برأسه. وقال بصوت مكسور: "أخويا اختفى من خمسة وعشرين سنة... وافتكرت إنه مات." لكن فادي هز رأسه ببطء. وقال: "لأ..." "هو عايش." "وهو..." توقف لحظة. ثم أكمل: "زعيم منظمة الظل." يتبع...ساد الصمت في الغرفة. حتى عقارب الساعة كان صوتها مسموعًا. حدق كريم في والده وقال ببطء: "يعني... طول السنين دي كان عندي عم، وإنت مخبي وجوده؟" تنهد حسن الدمنهوري، وكأنه يحمل هذا السر منذ عمر. قال بصوت منخفض: "اسمه كان ياسين." "كان أذكى واحد فينا... وأنا كنت بحبه أكتر من نفسي." جلس الجميع في أماكنهم. أدركوا أن الحقيقة أكبر مما توقعوا. قال حسن: "لما أبويا مات، ساب لنا شركة مقاولات صغيرة. أنا كنت عايز أكبرها بالحلال... وياسين كان شايف إن الفلوس السريعة أهم من أي حاجة." "وبدأنا نختلف." "كل يوم." "لحد ما اكتشفت إنه دخل مع ناس بيزوروا أوراق، ويهربوا آثار، ويبتزوا أصحاب الأراضي." سأله المستشار عادل: "عملت إيه؟" رد حسن: "بلغت عنه... من غير ما يعرف إن أنا اللي بلغت." شهقت ندى. أكمل حسن: "قبل القبض عليه بيوم... اختفى." "وصلتني رسالة بعدها بأسبوع." "كان كاتب فيها: من النهارده... إنت ما بقاش عندك أخ." ساد الصمت مرة أخرى. ثم قال فادي: "ومن يومها بدأ يبني منظمة الظل." ... في اليوم التالي... قرر المستشار عادل تشكيل فريق خاص. لكن قبل بدء الاجتماع... دخل أحد الضباط يحمل ظرفًا أبيض. قال: "الظرف اتساب قدام باب الإدارة." فتحوه بحذر. في الداخل... كان يوجد مفتاح قديم. ومعه ورقة. مكتوب عليها: "لو عايزين توقفوا ياسين... افتحوا الخزنة رقم 17 في بنك النيل." نظر كريم إلى حسن. قال: "إنت تعرف المفتاح ده؟" هز رأسه. "ده مفتاح خزنة باسم أبويا... ما اتفتحتش من خمسة وعشرين سنة." ... بعد ساعات... دخل حسن، وكريم، وندى، والمستشار إلى البنك بأمر من النيابة. فتح الموظف الخزنة. كانت صغيرة. لكن بداخلها... وجدوا صندوقًا خشبيًا. فتحه حسن بيد مرتعشة. في الداخل كان يوجد: شريط كاسيت قديم. وصورة لعائلة الدمنهوري. وفي الصورة... كان حسن شابًا. وبجواره طفل صغير لا يتجاوز الرابعة. استغرب كريم. "مين الطفل ده؟" نظر حسن إلى الصورة طويلاً. ثم شحب وجهه. همس: "لا..." "مستحيل..." سألته ندى: "في إيه؟" قال وهو يكاد ينهار: "دي الصورة اتصورت قبل ما ياسين يختفي." "لكن..." "ياسين عمره ما كان متجوز." نظر الجميع إلى الطفل. ثم قلب المستشار الصورة. كان مكتوبًا خلفها بخط والد حسن: "أول صورة لياسين مع ابنه." تجمد كريم. وقال بصدمة: "يعني..." "عندي ابن عم؟" رد حسن وهو لا يزال غير مصدّق: "واضح... إن لياسين ابن." وفي اللحظة نفسها... رن هاتف فادي. استمع لثوانٍ. ثم نظر إلى الجميع وقال: "في خبر أخطر." "إيه؟" قال: "قدرنا نحدد هوية الرجل اللي حاول يخطف ليان." "مين؟" أجاب: "هو..." وتوقف للحظة. ثم قال: "ابن ياسين الدمنهوري." ساد الصمت. وأدرك الجميع أن المعركة القادمة لن تكون مع رجل عجوز يدير منظمة... بل مع جيل جديد، أكثر ذكاءً، وأكثر قسوة، نشأ على فكرة واحدة... الانتقام من عائلة الدمنهوري. يتبع...بعد ساعة... اجتمع الجميع في غرفة العمليات. كانت صورة الشاب معلقة على الشاشة. شاب في أوائل الثلاثينيات، بملامح هادئة ونظرة ثابتة. قال الضابط: "اسمه الحقيقي غير معروف." "لكن المنظمة كلها بتناديه باسم آدم." شحب وجه حسن. همس: "ابن ياسين..." سأل كريم: "نعرف عنه إيه؟" رد الضابط: "اتربى خارج مصر. درس إدارة أعمال، وبعدها اختفى من كل السجلات الرسمية. مفيش له بصمة، ولا بطاقة، ولا حسابات باسمه الحقيقي." تنهد المستشار عادل. "يعني متدرب كويس." ... وفي مكان مجهول... كان آدم يقف أمام نافذة زجاجية تطل على البحر. دخل أحد رجاله. قال: "الخطة الأولى فشلت." ابتسم آدم بهدوء. "أنا كنت عارف." استغرب الرجل. "إزاي؟" رد آدم: "أنا ما كنتش عايز أخطف ليان." "كنت عايز أشوف رد فعل ندى وكريم." ثم التفت إليه. "وهم عملوا بالضبط اللي أنا توقعته." ... في اليوم التالي... تلقت ندى دعوة غريبة. مكتوب عليها: "إذا أردتِ أن تعرفي الحقيقة كاملة عن والدتك... احضري وحدك إلى المسرح القومي الساعة الثامنة مساءً." رفض كريم فورًا. "مش هتروحي." لكن ندى قالت بحزم: "لو كل مرة هنخاف... عمرنا ما هنعرف الحقيقة." قرر المستشار تجهيز كمين سري. ... في الثامنة مساءً... دخلت ندى المسرح. كان خاليًا تمامًا. إلا من ضوء واحد مسلط على خشبة المسرح. وفجأة... بدأت موسيقى الفالس التي رقصتها يوم الحفل. تجمدت مكانها. ومن خلف الستارة... خرج شاب أنيق يرتدي بدلة سوداء. صفق ببطء. وقال بابتسامة هادئة: "أخيرًا اتقابلنا." عرفته فورًا من الصورة. آدم. قالت بثبات: "أنت ابن ياسين." ابتسم. "وأنتِ أذكى مما توقعت." سألته: "ليه بتعمل كل ده؟" نظر إليها طويلًا. ثم قال جملة جعلتها تتجمد: "لأن والدتك..." "...هي اللي أنقذت حياتي وأنا طفل." اتسعت عينا ندى. "إيه؟!" هز رأسه. "أبوكِ مات بالنسبة لي وأنا عندي أربع سنين." "وأمي ماتت بعدها بسنة." "والمرأة الوحيدة اللي عاملتني كإنسان كانت والدتك." شعرت ندى أن كل ما كانت تعرفه بدأ ينهار. قالت: "لو ده حقيقي... ليه بتحاربنا؟" أطرق آدم رأسه للحظة. ثم رفعه وعيناه تمتلئان بالحزن. "لأن في شخص أقنعني طوال عمري..." "...إن حسن الدمنهوري هو اللي قت/ل أبويا." وفي تلك اللحظة... خرج صوت من مكبرات المسرح. "إوعى تصدقه يا آدم." التفت الجميع. كان حسن الدمنهوري قد دخل المسرح مع رجال الشرطة. لكن آدم لم يهرب. ظل واقفًا ينظر إلى عمه لأول مرة منذ ثلاثين عامًا. ثم قال بهدوء: "أنا جيت النهارده... مش علشان أق/تلك." "أنا جيت... علشان أعرف مين فينا كان عايش على كذبة." يتبع...ساد صمت ثقيل داخل المسرح. رجال الشرطة رفعوا أسلحتهم. لكن المستشار عادل أشار إليهم بخفضها. قال بهدوء: "محدش يضرب... طول ما محدش في خطر." نظر حسن إلى آدم طويلًا. كانت هذه أول مرة يرى ابن أخيه منذ كان طفلًا صغيرًا. قال بصوت مكسور: "أنت شبه أبوك." ابتسم آدم ابتسامة حزينة. "كل الناس بتقول كده... ودي أكبر لعنة في حياتي." اقترب حسن خطوة. "أبوك ما ماتش بسببي." رد آدم بسرعة: "أنا اتربيت على إنك خنته وسلمته." تنهد حسن. ثم التفت إلى المستشار. "هات شريط الكاسيت." أخرج المستشار الشريط الذي وجدوه في خزنة البنك. كان قد تم تحويله إلى تسجيل رقمي. ضغط زر التشغيل. وانتشر صوت رجل عجوز في المسرح. كان صوت والد حسن وياسين. > "أنا بسجل الكلام ده لو حصلي حاجة... حسن بريء من كل اللي حصل. وياسين ابني اختار طريق غلط، لكن حسن عمره ما خانه. أنا اللي بلغت عنه... لأنه كان هيضيع نفسه ويضيع ناس كتير." ساد الصمت. أكمل التسجيل: > "ولو ياسين رجع في يوم... قوله إن باب البيت عمره ما اتقفل في وشه." انتهى التسجيل. وقف آدم كأنه فقد القدرة على الحركة. همس: "يعني..." "كل السنين دي..." "كنت بكره الشخص الغلط؟" في تلك اللحظة... دوى تصفيق بطيء من آخر المسرح. التفت الجميع. خرج رجل في أواخر الستينيات، شعره أبيض، لكنه ما زال يحتفظ بنفس النظرة الحادة. تجمد حسن. وسقطت دموعه لأول مرة منذ سنوات. همس: "ياسين..." ابتسم الرجل ببرود. "وحشتني يا أخويا." صرخ آدم: "أبي!" ركض نحوه. لكن ياسين أوقفه بإشارة من يده. ثم نظر إلى حسن وقال: "واضح إنك لسه بتمثل دور الأخ الشريف." رد حسن بغضب: "كل اللي حصل لابنك بسبب كذبك." ضحك ياسين. "لأ... بسبب الحقيقة اللي خبيتها." قطب المستشار حاجبيه. "تقصد إيه؟" نظر ياسين إلى ندى. ثم قال: "والدة ندى ما ماتتش بسبب الحقيبة." شهقت ندى. "إيه؟" أكمل ياسين: "الحقيبة كانت مهمة... لكن السبب الحقيقي إنها كانت شاهدة على اجتماع." "اجتماع إيه؟" ابتسم. "اجتماع حضره رجال أعمال كبار... وسياسيون... وشخص واحد محدش فيكم شك فيه." قال كريم: "مين؟" رد ياسين: "مش أنا..." "ولا حسن..." "ولا شريف المنشاوي." ثم أخرج صورة قديمة من جيبه. ورماها على المسرح. التقطها المستشار. واتسعت عيناه. الصورة كانت تجمع كل الأسماء التي ظهرت طوال القضية... وفي المنتصف... رجل يقف مبتسمًا. قال المستشار بصوت مرتجف: "مستحيل..." سألته ندى: "مين ده؟" رفع المستشار الصورة ببطء. وقال: "ده..." "...المستشار اللي كان رئيس النيابة وقت حادثة والدتك." ساد صمت مرعب. ثم التفت الجميع إلى المستشار عادل. فقال بهدوء: "أنا أعرفه..." "...لأنه كان أستاذي." وفي اللحظة نفسها... وصلت رسالة إلى هاتف المستشار عادل. فتحها. كانت من رقم مجهول. ومكتوب فيها: "لو عايز تعيش... انسى الصورة." أما في آخر الرسالة... فكانت صورة حديثة لابن المستشار عادل وهو خارج من جامعته. فعرف الجميع... أن اللعبة أصبحت أخطر من أي وقت مضى. يتبع...في تلك اللحظة... اختفت أي رغبة في الانتقام من قلب ندى. وحل محلها شيء أخطر... الخوف. ليس على نفسها. بل على كل شخص أصبح قريبًا منها. نظر المستشار عادل إلى صورة ابنه على الهاتف، وأغلق الشاشة دون أن يتكلم. لاحظت ندى ارتعاش يده لأول مرة. قالت بهدوء: "لو حضرتك عايز تنسحب... محدش هيلومك." رفع رأسه إليها. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "أنا قاضي قبل ما أكون أب." "ولو سكت النهارده... ابني هيعيش في بلد يحكمها الخوف." ثم التفت إلى الضباط. "انقلوا ابني لمكان آمن... من غير ما يعرف السبب." ... أما ياسين... فلم يحاول الهرب. جلس على أحد مقاعد المسرح وقال: "أنا تعبت من الجري." نظر إليه حسن. "ليه ظهرت دلوقتي؟" تنهد ياسين. "لأن الناس اللي كنت فاكر إني شريكهم... قرروا يتخلصوا مني." سأله كريم: "تقصد مين؟" أجاب: "الشخص اللي في الصورة." ثم أضاف: "أنا كنت أشتغل معاه... لكن عمري ما كنت رئيس اللعبة." نظر إليه المستشار عادل. "يعني في حد أكبر منك؟" هز ياسين رأسه. "بكتير." ... بعد ساعات... تم نقل ياسين إلى مكان احتجاز سري. وقبل دخوله... طلب خمس دقائق مع حسن وحده. وقف الشقيقان متقابلين لأول مرة منذ خمسة وعشرين عامًا. قال ياسين: "فاكر وإحنا صغيرين... لما كنا بنجري في أرض أبويا؟" ابتسم حسن رغم ألمه. "فاكر." قال ياسين وهو يخفض رأسه: "أنا ضيعت كل حاجة." رد حسن: "لسه قدامك فرصة تقول الحقيقة." رفع ياسين عينيه. وقال: "هقولها." "بس يمكن ما ألحقش." ... في صباح اليوم التالي... استيقظت ندى على خبر عاجل. "انفجار سيارة نقل تابعة للشرطة أثناء نقل متهم في قضية فساد كبرى." انتفضت من مكانها. اتصلت بكريم. رد فورًا. صوته كان مرتبكًا. "إحنا في المستشفى." ركضت هي والمستشار عادل. وعندما وصلا... وجدوا حسن جالسًا في الممر، ووجهه شاحب. سألته ندى: "ياسين؟" أغمض حسن عينيه. ثم قال: "عاش..." تنفست الصعداء. لكن حسن أكمل: "...بأعجوبة." دخل الطبيب بعد دقائق. قال: "فيه خبر كويس... وخبر وحش." قال كريم: "ابدأ بالوحش." رد الطبيب: "إصابته في الرأس سببت فقدانًا جزئيًا للذاكرة." ساد الصمت. "والخبر الكويس؟" "لسه فاكر حاجة واحدة." سأله المستشار: "إيه هي؟" أجاب الطبيب: "بيقول إنه مخبي دليل... ومحدش يعرف مكانه غير هو." ... دخلت ندى غرفة العناية. اقتربت من ياسين. فتح عينيه بصعوبة. نظر إليها. ثم همس: "القبو..." اقتربت أكثر. "قبو إيه؟" قال بكلمات متقطعة: "تحت..." "...المسرح القديم..." ثم فقد وعيه مرة أخرى. نظر المستشار إلى ندى. وقال: "واضح إن رحلتنا لسه ما خلصتش." وفي المساء... نزل فريق التحقيق إلى المسرح القديم المهجور. وبعد ساعات من البحث... عثروا بالفعل على باب حديدي صدئ يقود إلى قبو قديم. فتحوه بحذر. وفي الداخل... كانت توجد خزائن حديدية كثيرة. لكن في منتصف القبو... وجدوا صندوقًا واحدًا فقط. مكتوبًا عليه بخط واضح: "لا يُفتح إلا بحضور ندى عبد الرحمن." تبادل الجميع النظرات. ثم تقدمت ندى ببطء... ومدت يدها نحو الصندوق... يتبع...