وبصيت للظرفين المقفولين اللي كان خط أبويا واضح عليهم، وحسيت بحاجة معرفتش أسميها. أمي كانت لسه قايلة قدام ناس كتير إن أبويا المتوفي مش أبويا. وفي نفس الوقت، أبويا كان سايب ظرفين مقفولين عند المحامي. ومهما حاولت، مقدرتش أتخلص من الإحساس إن الحاجتين دول على وشك إنهم يتصادموا. وفعلًا، ده اللي حصل. بعد حوالي عشرين دقيقة، المحامي كان هيفتح الظرفين، ويبص لأختي، وبعدها يبص لي، وبعدين يسأل أمي سؤال واحد بس. سؤال كان كفيل إنه يمسح الابتسامة الهادية من على وشها. لكن خليني ماستبقش الأحداث. لأن كل حاجة مهمة حصلت في الغرفة دي خلال حوالي ساعة واحدة، بينما رجل كان بيقرأ كلمات راجل ميت من ورقة. المحامي كان اسمه الأستاذ فريد منصور، وكان في حدود الستين سنة. راجل نحيف وهادي، بيلبس نظارة قراءة، وعنده طريقة بطيئة في الكلام والتصرف، طريقة واحد شاف عائلات كتير وهي بتتفكك قدامه، واتعلم إنه مايبينش على وشه أي حاجة. كان قاعد على رأس الترابيزة الطويلة، قدامه ملف جلدي، والظرفين المقفولين على جنب. على يمينه كانت أمي، عايدة الشامي، عندها تمانية وخمسين سنة. ضهرها مفرود، إيديها متشابكة، ودقنها مرفوعة شوية. كانت طول عمرها بتحرص إنها تبقى أكتر واحدة متماسكة في أي مكان، والنهارده كانت مصممة تفضل كده. جنبها كانت أختي الصغيرة داليا، عندها تلاتين سنة، أصغر مني بثلاث سنين. كانت لابسة فستان رمادي هادي، وبتلمس عينيها بمنديل من وقت للتاني، رغم إن عينيها ماكانتش مبلولة بالشكل اللي كانت بتحاول تظهره. أما أنا، سلمى، عندي تلاتة وتلاتين سنة، فكنت قاعدة في آخر الترابيزة، بعيدة عنهم شوية. وده تقريبًا كان مكاني طول عمري. أنا فنية لحام، وبيدّي شغلي عيشي. بدير ورشة صغيرة لأعمال الحديد المشغول في القاهرة؛ بوابات وأسوار وسلالم، وأحيانًا قطع فنية بسيطة. أنا بحب شغلي. بحب إن الحديد ما بيكدبش عليك. تسخنه، تشكله، تسيبه يبرد، وفي الآخر يفضل ماسك الشكل اللي إنت اديتهوله. أمي كانت بتكره إني بشتغل الشغلانة دي. بالنسبة لها، البنت اللي تيجي على الغدا العائلي وذراعيها عليها آثار حروق وضوافرها فيها تراب وحديد كانت حاجة محرجة. كانت تقول لأصحابها: «سلمى بتشتغل بإيديها.» بنفس النبرة اللي ممكن واحدة تتكلم بيها عن بنت عندها مشكلة. أما داليا، فكانت عملت كل حاجة أمي تعتبرها صح. مااشتغلتش يوم، وما بنتش حاجة، وفضلت قريبة من أمي، تردد كلامها، وتوافقها، وتبقى جميلة وهادية ومطيعة. وعشان كده أمي كانت بتحبها. كبرت وأنا فاهمة إن في بنتين في البيت ده، لكن واحدة بس هي المهمة. داليا. لما داليا كانت ترسم رسمة وهي صغيرة، أمي كانت تعلقها على التلاجة وبعدها تحطها في برواز. أما لما أنا كنت أعمل حاجة بإيدي، بيت خشب صغير للطيور، أو عربية لعبة، أو أباجورة من قطع خردة، أمي كانت تبص لي وتقول: «إنتِ ليه إيديك دايمًا متوسخة يا سلمى؟» كأن مجرد إني بصنع حاجة بإيدي كان عيب. داليا كانت بتاخد دروس رقص، وتلبس هدوم غالية، وتعمل حفلات أعياد ميلاد كبيرة. أما أنا، فكنت البنت «الصعبة». وفي قاموس أمي، ده كان معناه ببساطة إني مش بعكس صورتها زي داليا. والغريب إني وأنا طفلة ماكنتش حتى بكره داليا. كنت فاهمة بس إن أي دفء موجود في البيت ده بيتوزع عليها، وإن دوري أنا إني أحتاج أقل. وبقيت فعلًا شاطرة جدًا في إني أحتاج أقل. لكن كان في مكان واحد الدنيا فيه كانت مختلفة. مكان أمي ماقدرتش تدخل إليه. المكان ده أنقذ حياتي. وكان له علاقة بأبويا، وبشعلة اللحام، وبعصفورة صغيرة من الحديد. أبويا، محمود الشامي، بنى شركة الشامي لأعمال الحديد من الصفر. كان بيشتغل بإيده قبل ما يبقى عنده فلوس كفاية يشغل عمال. وعشان كده كان الشخص الوحيد في العيلة اللي فاهم أنا بعمل إيه وليه بحبه. لما كان عندي تسعتاشر سنة وقلت لهم إني مش هكمل في الجامعة وإني عايزة أتعلم مهنة اللحام، أمي ماكلمتنيش شهر كامل. لكن أبويا أخدني معاه للورشة. وقفني وسط العمال، حط شعلة اللحام في إيدي، وعلمني إزاي أعمل خط لحام مظبوط. وقال لي وسط صوت الغاز ورائحة الحديد السخن: «الباقيين شايفين إن الشغل ده أقل من مستوانا يا سلمى.» وبعدين رفع إيديه اللي كانت مليانة آثار حروق وجروح قديمة. وقال: «هما نسوا الفلوس دي جت منين. جت من إيدين زي دي.» بصيت لإيديه وقتها، ولأول مرة في حياتي حسيت إني يمكن فعلًا أنتمي لحد. في أول شهور تدريبي، خدت شوية خردة حديد وشكلتهم على هيئة عصفورة صغيرة. كانت معوجة، جناح أكبر من التاني، واللحامات واضحة وقبيحة. قدمتها له في عيد ميلاده. لما أمي شافتها قالت: «إيه ده؟ دي المفروض تبقى إيه؟» لكن أبويا مسكها وقلبها بين إيديه، وبص للحامات المعوجة وقال: «دي هي اللي عملتها بشعلة اللحام.» وأخد العصفورة وحطها على مكتبه في البيت، جنب تليفونه. وفضلت هناك أربع عشرة سنة. ولما كان العملاء أو شركاؤه يسألوه عنها، كان يقول لهم: «بنتي هي اللي عملتها بإيديها.» عايزكم تفتكروا العصفورة دي. لأنها هتبقى أهم من الستة ملايين جنيه. وبنهاية الحكاية هتفهموا ليه. فتح الأستاذ فريد الملف الجلدي، وساد الصمت. وبدأ يقرأ الكلام القانوني المعتاد: «أنا محمود الشامي، بكامل أهليتي العقلية...» كنت ببص على إيد أمي المتشابكة فوق الترابيزة. كانت ثابتة تمامًا. لأن أمي كانت متأكدة إنها عارفة إيه اللي جاي. وكان عندها سبب يخليها واثقة. وفاة أبويا ماجتش فجأة. كان مريض بقاله تقريبًا سنة. وخلال السنة دي، أمي بدأت تحط نفسها في كل حاجة. بقت المسؤولة عن رعايته، وعن أموره، وعن تحديد مين يزوره. وفي نفس الوقت، كانت بتحكي لكل الناس إن علاقتي بأبويا بقت بعيدة، وإن شغلي في ورشة الحديد أهم عندي منه، وإنني اختفيت وقت هو كان محتاجني فيه. ولا كلمة من ده كانت حقيقية. الحقيقة إن أمي هي اللي كانت بتتحكم في دخولي عليه. لما كنت أتصل، تقول: «هو نايم.» ولما أروح، تقابلني عند الباب: «الدكتور قال ممنوع أي ضغط عليه النهارده.» وأحيانًا كانت تقول: «وبعدين يا سلمى، إنتِ ريحتك كلها حديد وشغل. مش هينفع تدخلي عليه كده.» وكانت كدابة. لأن رائحة الحديد السخن كانت أكتر ريحة أبويا بيحبها. وبعدها نقلت تليفونه، وبقت ترد على رسائله بنفسها. كانت بتبني حائط بيني وبين أبويا، وبعدين تخرج للناس وتقول إن المسافة دي أنا اللي عملتها. في آخر أربع شهور من حياته، قدرت أشوفه حوالي ست مرات بس. وكل مرة كنت مضطرة أحارب عشان أدخل. لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها إن أبويا كان خلال نفس الشهور بيجهز عشان يحميني من الحاجة اللي أمي كانت بتعملها. وكان عند أمي ورقة أخيرة. حكاية إني مش بنته. لكنها كانت حريصة إنها ما تقولش صراحة إني «متبنّاة». هي قالت: «سلمى مش بنت محمود.» وسابت الناس تستنتج الباقي. يمكن علاقة قديمة. يمكن خيانة. يمكن غلطة من شبابها بتحاول تعترف بيها دلوقتي لمصلحة العيلة. قدمت نفسها باعتبارها الست الصريحة اللي مستعدة تقول الحقيقة الصعبة، عشان التركة تروح للبنت اللي تستحقها... داليا. لكن هنا في حاجة كانت حقيقية فعلًا. كان في خيانة. وكان في سر قديم. وكان في طفلة اتولدت من العلاقة دي. وسر اتدفن لمدة تلاتين سنة. كل ده كان حقيقي. لكنها وجهت الحقيقة ناحية البنت الغلط. حطت خطيئتها هي فوق رقبتي أنا، لأنني كنت البنت اللي هتدفع التمن الأكبر، والبنت اللي كانت متأكدة إن محدش هيدافع عنها. لكن كان في مشكلة واحدة في حكاية أمي. المشكلة دي كانت موجودة في ظرفين مقفولين على بُعد سنتيمترات من إيديها. وهي ماكنتش تعرف عنها أي حاجة. الأستاذ فريد كمل القراءة. بدأ بالوصايا الصغيرة. مبلغ لواحد من الموظفين القدامى، عم صبري، اللي اشتغل مع أبويا في الورشة لأكتر من خمسة وعشرين سنة. وتبرع لمعهد صنايع بيدرّب الشباب على اللحام وتشغيل المعادن. وبعض متعلقاته الشخصية، ساعة لابن أخوه، ومجموعة أدوات لشاب كان أبويا بيدربه بنفسه. كل وصية كانت شبهه. وده خلّى منظر أمي أسوأ. كانت قاعدة بفستانها الأسود الجديد، ولسه من شوية قالت قدام الناس إن واحدة من بناته مش بنته. وفي نفس الوقت، كلام الراجل الميت كان لسه بيفتكر العمال والمتدربين والمعهد. لكن أمي ماكانتش مهتمة. كانت مستنية حاجة واحدة. وكانت واثقة جدًا منها. وصل الأستاذ فريد لقلب الوصية. وقال: «إلى زوجتي عايدة، أترك لها منزل الزوجية، بالإضافة إلى المبلغ التالي من أصول التركة...» وذكر مبلغًا كبيرًا يضمن لها إنها تكمل حياتها بنفس المستوى اللي اتعودت عليه. أمي هزت رأسها برضا. وبعدين قال: «وإلى ابنتي داليا...» وهنا ظهرت الصورة الكاملة لخطة أمي. قال: «أترك لها حصتي المسيطرة في شركة الشامي لأعمال الحديد، والعقار الكائن في شارع التحرير، بالإضافة إلى مبلغ ستة ملايين جنيه مصري من الأصول النقدية للتركة.» البيت. الشركة. وستة ملايين جنيه. كلهم لداليا. للبنت اللي عمرها ما لحمت قطعة حديد، ولا بنت بوابة، ولا اشتغلت بإيديها يوم واحد. داليا طلعت شهقة خفيفة وحطت إيدها على صدرها. وأمي مدت إيدها ومسكت إيدها التانية. وبصوا لبعض بنظرة فيها رضا وامتنان. وفهمت وقتها إن الاتنين كانوا فاكرين إنهم عارفين كل حاجة. أمي كانت مسيطرة على أمور أبويا لمدة سنة، وكانت موجودة وقت كتابة نسخة قديمة من الوصية، واعتقدت إن النسخة دي هي النهاية. كانت فاكرة إنها كسبت قبل ما تدخل الغرفة. وفي النظرة اللي اتبادلوها، شفت صورة طفولتي كلها. هما الاتنين في ناحية الدفا. وأنا في آخر الترابيزة. وبعدين قال الأستاذ فريد: «وإلى ابنتي سلمى...» إيد أمي شدت على إيد داليا. دي كانت اللحظة اللي أمي بنت اليوم كله عشانها. اللحظة اللي مستنية فيها أبويا، حتى بعد موته، يأكد كلامها. إني هاخد ولا حاجة. إني مش بنته. لكن الأستاذ فريد وقف. رفع عينيه من فوق نظارته وبص لأمي. وبعدين رجع للورقة وقال: «إلى ابنتي سلمى، أترك محتويات ظرفين مقفولين، سلمتهما إلى محاميّ الخاص، على أن يتم فتحهما وقراءة محتوياتهما بصوت عالٍ في جلسة قراءة الوصية، بحضور أفراد أسرتي.» سكت لحظة. «وأوصي بفتح الظرفين الآن، قبل قراءة أي بند آخر من هذه الوصية.» ساد الصمت. وش أمي عمل حركة صغيرة. مجرد ارتعاشة بسيطة. لكنها اختفت بسرعة. وقالت وهي بتضحك: «والله ما أعرف إيه اللي جواهم. يمكن شوية كلام عاطفي وخلاص.» وبعدين بصت للمحامي: «هو لازم كل ده؟ البنت تاخد الظرفين ونخلص. ممكن نكمّل؟» ومدت إيدها ناحية الظرفين. كانت عايزة تبعدهم. وكانت سرعة حركتها هي اللي لفتت نظر كل الموجودين. لأنك مش بتندفع ناحية حاجة إنت فاكر إنها مجرد كلام عاطفي ملوش لازمة. الأستاذ فريد حط إيده على الترابيزة جنب الظرفين. ما لمسهمش. بس حط إيده بينهم وبين أمي. وقال بهدوء: «مدام عايدة، جوز حضرتك سلّمني الظرفين دول بنفسه، وكتب تعليمات واضحة جدًا بخصوصهم. وأنا ملزم أنفذ التعليمات دي.» أمي سحبت إيدها ببطء ورجعتها جنب إيدها التانية. وأنا كنت ببص لها وهي بتحاول ترجع ملامح الثبات على وشها. لكن المرة دي... الثبات ما رجعش كامل. ودي كانت أول لحظة فهمت فيها إن في حاجة غلط في ثقة أمي. رفع الأستاذ فريد الظرف الأول. كان اسمي مكتوب عليه بخط أبويا. دخل فتاحة الورق تحت طرف الظرف. وصوت تمزيق الورق كان أعلى صوت في الغرفة. طلع ورقة مطوية ومستند أصغر مثبت فيها. فتح الورقة وقرأها لنفسه الأول. عينه كانت بتتحرك سطر ورا سطر. وشه ماكانش بيكشف أي حاجة. الصمت طال لدرجة إني بقيت سامعة صوت التكييف ودقات قلبي. وبعدين حط الورقة الأولى على الترابيزة بعناية. ومد إيده للظرف التاني. الظرف اللي ماكانش مكتوب عليه اسمي. الظرف اللي أمي حاولت تمنع فتحه. فتحه وقرأ محتواه. وهنا وشه اتغير. تغيير بسيط جدًا، لكن حصل. زي واحد كان عنده شك قديم، وفجأة لقى الورقة اللي أكدت له الشك ده. حط الورقة التانية جنب الأولى. وبعدين خلع نظارته وحطها على الترابيزة. وبص لأختي داليا. لفترة طويلة. وبعدين بص لي. وبعدين لف ناحية أمي. وقال: «مدام عايدة... قبل ما أقرأ المستندين دول بصوت عالي، تحبي تقولي لهم بنفسك أنهي واحدة من بنتيكي مش بنت جوزك؟» عايزة أوصف لكم إيه اللي حصل في وش أمي. في البداية ماحصلش أي حاجة. ثانية. وبعدين ثانيتين. حافظت على تماسكها. لكن بعدها... الحقيقة وصلت لها. شفت اللحظة اللي فهمت فيها إيه اللي موجود في الظرفين. وفهمت إن أبويا كان عارف. وفهمت إن سؤال المحامي مش سؤال أصلًا. ده كان باب بيتقفل. ملامح الثبات بدأت تختفي من وشها. عينيها الأول. وبعدين شفايفها. وبعدين فكها. لحد ما الست اللي كانت طول عمرها أهدى وأقوى واحدة في أي غرفة بقت قاعدة قدامنا كامرأة شافت سر مدفون بقاله تلاتين سنة وهو بيطلع قدام الجميع. لأن الحقيقة كانت دي. أبويا، خلال السنة الأخيرة من حياته، بدأ يشك في شيء ربما كان شاكك فيه بشكل بسيط من تلاتين سنة. وكان من النوع اللي ما يصدقش حاجة لمجرد الكلام. عشان كده ماواجهش أمي. ماصرخش. ماعملش فضيحة. عمل حاجة واحدة. أخذ عينة DNA منه وهو لسه قادر. وبطريقة هادية، حصل على عينات مني ومن داليا. وبعت العينات كلها لمعمل متخصص. وعمل تحليل إثبات نسب لكل بنت فينا. واحد ليا. وواحد لداليا. وبعد ما ظهرت النتائج، حط كل نتيجة في ظرف منفصل. قفل الظرفين. وسلمهم لمحاميه. وكتب تعليمات واضحة: يتم فتحهم في جلسة قراءة الوصية، وفي النهاية، قدام الجميع. أبويا قضى حياته كلها بيثبت قيمة الشغل بإيديه. وفي آخر أيامه، أثبت أهم حقيقة في حياته بتحليل معملي. وساب الدليل للبنت اللي كان عايز يحميها. والنتيجة كانت... الظرف الأول، اللي كان مكتوب عليه اسمي، كان فيه تقرير رسمي من المعمل يثبت إن محمود الشامي هو والدي البيولوجي. أنا بنته. والكلام اللي أمي قالته عن إني مش بنته كان كدب. أنا بنته طول عمري. وكان عنده الدليل. وسابه مخصوص عشان يوصل لإيدي. لأن أبويا، رغم مرضه، فهم إن أمي ممكن تستخدم كذبة عن أصلي عشان تمسحني من حياته بعد وفاته. فحط الحقيقة في إيدي. أما الظرف التاني، اللي ماكانش مكتوب عليه اسمي، فكان فيه تقرير النسب الخاص بداليا. والتقرير أثبت إن محمود الشامي مش والد داليا البيولوجي. البنت المفضلة. البنت اللي كانت هتاخد البيت والشركة وستة ملايين جنيه. البنت اللي أمي قضت تلاتين سنة بتحبها وتحميها وترفعها فوقي... ماكانتش بنت أبويا. كانت بنت العلاقة القديمة اللي أمي أخفتها عن أبويا تلاتين سنة. داليا هي اللي ماكانتش بنته. وأمي كانت عارفة ده من تلاتين سنة. ومع ذلك، دخلت الغرفة دي وأشارت ناحيتي أنا، البنت الحقيقية، وقالت إني أنا المزيفة. كل ده عشان تحول تركة أبويا لبنت خيانتها، وتدفن السر للأبد. وده كان معنى سؤال المحامي. «تحبي تقولي لهم بنفسك أنهي واحدة من بنتيكي مش بنت جوزك؟» هو كان قرأ التقريرين. وكان عارف. وكان بيدي أمي فرصة أخيرة تقول الحقيقة بنفسها. لكن أمي ماقالتش. ماقدرتش. قعدت مكانها ووشها متفكك قدامنا. وداليا لفتت ناحيتها. وقالت بصوت مرتبك: «ماما... هو بيتكلم عن إيه؟» وسكتت لحظة. «أنهي واحدة فينا؟» أمي ما بصتش لها. أمي اللي رتبت كل حاجة، واللي قضت السنة الأخيرة كلها بتحاول تحمي داليا، ماقدرتش حتى ترفع عينيها وتبص لبنتها. وفي اللحظة دي... داليا فهمت. أنا شفت وش أختي وهو بيتغير. لأن داليا ماكنتش تعرف الحقيقة. أمي ماقالتلهاش. داليا قضت تلاتين سنة وهي البنت المفضلة، من غير ما تعرف إن كل اللي حواليها قائم فوق كذبة عن أبوها الحقيقي. عرفت الحقيقة في نفس اللحظة اللي عرفتها أنا. في نفس الغرفة. ومن نفس الصمت. وأتمنى أقول لكم إني في اللحظة دي حسيت بانتصار. لكن ده مش اللي حسيت به. وأنا ببص لوش داليا، حسيت بحاجة أقرب للحزن. لأن أختي، اللي قضت تلاتين سنة في ناحية الدفا وأنا في الناحية الباردة، بعدت عن أمي وبصت لي. عينيها كانت بتسأل: «الكلام ده حقيقي؟» هزيت راسي هزة صغيرة. أيوه. حقيقي. وشفتها وهي بتستوعب إن الراجل اللي نادته «بابا» طول حياتها مش أبوها بالدم. وإن أمها كانت عارفة ده من قبل ما هي تتولد. داليا أخدت في نفس اليوم ستة ملايين جنيه وشركة. وخسرت أبوها في نفس الساعة. أب كان اتضح إنه مش أبوها البيولوجي. وأنا ما كنتش مستعدة أبدل مكانها. ولا مقابل كل الفلوس دي. وأمي لسه ما اتكلمتش. كان سكوتها هو الاعتراف. لأن لو كانت تقدر تقول: «سلمى هي اللي مش بنته.» كانت قالتها بصوت عالي. لكنها ماقالتش. وسكوتها أشار لداليا بشكل أوضح من أي اعتراف. الأستاذ فريد ما ابتسمش وماعلقش. قال بس: «أنا آسف إن الحقيقة وصلت لكم بالطريقة دي، لكن والدكم كان واضح جدًا في تعليماته. وبعد الكلام اللي اتقال هنا قبل فتح الظرفين، أعتقد إنه كان متوقع إن ده ممكن يحصل، وكان عايز الحقيقة تتسجل بشكل رسمي.» وبعدين لبس نظارته وقال: «وفي بند أخير.» وقلب للصفحة الأخيرة من الوصية. وهنا... أبويا، حتى وهو ميت، كمل اللي بدأه. لأن الوصية اللي كان الأستاذ فريد بيقراها، واللي كانت بتدي كل حاجة لداليا، ماكانتش الوصية النهائية. كانت نسخة أمي ساعدت في تشكيلها وهو مريض. وكانت فاكرة إنها مسيطرة. لكن أبويا كان سايبها تفتكر كده. وفي هدوء، ومع المحامي، كان بيجهز الحقيقة. الصفحة الأخيرة كانت تحتوي على تعديل رسمي لاحق للوصية، وقّعه أبويا أمام الأستاذ فريد، بعد شهور من النسخة اللي أمي ساعدت في إعدادها. وكان التعديل واضحًا. كل توزيع مذكور في الوصية القديمة يصبح لاغيًا إذا أثبتت التحاليل الموجودة في الظرفين الحقيقة التي كان أبويا يشك فيها. وبمجرد فتح الظرفين وإثبات الحقيقة، يبدأ تنفيذ التوزيع الحقيقي للتركة. والتوزيع الحقيقي كان بسيطًا. أبويا ترك حصته المسيطرة في شركة الشامي لأعمال الحديد... ليا أنا. للبنت اللي بتشتغل بإيديها. للبنت الوحيدة اللي كانت تقدر تدخل أرض الورشة وتفهم هي شايفة إيه. والوحيدة اللي تعرف اللحام المظبوط من اللحام الرديء. ساب لي الشركة. وساب لي نصيب عادل من التركة. وساب لأمي وداليا ما يكفي إنهم يعيشوا من غير احتياج. أبويا ماكانش راجل قاسي. لكنه كمان ماكانش هيسيب إرثه في إيد ناس ماكانش من حقهم ياخدوه. وبعدين كان في خطاب. خطاب أبويا نفسه. الأستاذ فريد قرأه في الآخر. والغرفة اللي كانت مليانة قبل ساعة من تمثيل أمي بقت ساكتة بطريقة مختلفة تمامًا. النوع من الصمت اللي بيحصل لما راجل ميت يبدأ يتكلم بالحقيقة. مش هاقرأ لكم الخطاب كله. لكن في جزء منه عمره ما فارقني. كتب أبويا: «سلمى... لو إنتِ بتسمعي الكلام ده، يبقى أنا كنت على حق. وأنا آسف. وعايزك تعرفي إني ولا مرة سألت نفسي إذا كنتِ بنتي ولا لأ. كنت عارف. كنت عارف كل مرة ترجعي فيها البيت وإيديك محروقة وعينيكي مليانة حماس. الدم حاجة. لكن إنتِ بنتي لأنك الوحيدة اللي حبت نفس الحاجة اللي أنا حبيتها، وصنعتها بإيديها، ومااهتمتش ولو مرة برأي أمك فيها. كان لازم أقول لك الكلام ده وأنا عايش. أنا قضيت أربعين سنة بحاول أحافظ على هدوء البيت. لكن الحفاظ على الهدوء ساعات بيكون مجرد طريقة تانية تخلي الشخص الغلط يكسب. وأنا ندمان إنّي استنيت لحد ما بقيت بموت عشان أوقف ده. خدي الشركة. هي كانت دايمًا هتبقى ليكي. وخدي العصفورة. إنتِ عارفة أنهي واحدة أقصد.» ماعيطتش وقتها. لكن كنت قريبة جدًا. وهنا هسيبكم معايا في الغرفة. لأن اللي حصل بعدها كان بره الغرفة، وحصل بسرعة. أمي حاولت تحارب. طبعًا. جابت محامي، وبدأت تتكلم عن الطعن في تعديل الوصية، وعن حالة أبويا العقلية، وعن تأثير الآخرين عليه. لكن التعديل كان موثقًا رسميًا، ومحامي أبويا كان شاهدًا عليه، وكان عنده ما يثبت إن أبويا كان بكامل قواه العقلية وقت توقيعه. وفوق ده كله، كان في تحليلي DNA الرسميين اللي أبويا نفسه طلب إجراءهما وهو حي. محامي أمي فهم بسرعة إن الموضوع مش سهل. وبعد فترة... بطلت. ماكانش في معركة محاكم طويلة. ولا مشهد درامي. كان في ورق. ورق أبويا. مرتب وواضح ومجهز بهدوء خلال آخر شهور حياته، على إيد راجل الكل كان فاكره مجرد مريض بيموت. وفي النهاية، الست اللي بنت حياتها كلها على كذبة اكتشفت إن الشخص الوحيد اللي عمرها ما قدرت تسيطر عليه بالكامل كان مجهز عليها من سرير موته. قضت سنة وهي فاكرة إنها بتدير راجل مريض. لكن الحقيقة... إنه هو اللي كان بيدير كل حاجة. سابها تكسب المعارك الصغيرة، عشان يكسب المعركة الوحيدة اللي هتفضل بعد موته. أنا وداليا مش قريبين. ومش عارفة إذا كنا هنقرب يوم من الأيام ولا لأ. لكن بعد شهر تقريبًا من جلسة الوصية، داليا اتصلت بيا. مش أمي. داليا. وماطلبتش مني حاجة. قالت بصوت مكسور، صوت عمري ما سمعته منها قبل كده: «أنا ماكنتش أعرف يا سلمى.» سكتت شوية. «والله ماكنتش أعرف أي حاجة. محتاجة منك تصدقي إني ماكنتش عارفة.» صدقتها. لأني شفت وشها وهي بينهار في الغرفة. وبعدين قالت: «هي استخدمتنا إحنا الاتنين.» سكتت. «استخدمتني طول عمري عشان تخبي السر. وحاولت تستخدمك إنتِ عشان السر يفضل مستخبي.» وبعدين قالت: «أنا حتى مش عارفة أنهي واحدة فينا ظلمتها أكتر.» وبعدها قفلت. وما اتكلمناش كتير من وقتها. لكن الجملة دي بفكر فيها لحد دلوقتي. أمي أخدت أبويا مني بكذبة. وأعطت داليا أبًا ماكانش أبوها بكذبة تانية. ولحد النهارده مش قادرة أقول مين فينا كان نصيبه أسوأ. وبطلت أحاول أعرف. لأن الإجابة مش هتساعد أي واحدة فينا. أنا أخدت الشركة. وبقيت أنا اللي بدير شركة الشامي لأعمال الحديد. في أول يوم ليا، قعدت على كرسي أبويا في مكتبه. وبصيت من الشباك على أرض الورشة. الشرر كان طالع من الحديد. وصوت المعدن كان مالي المكان. ولأول مرة في حياتي... ماحسيتش إني دخيلة. حسيت إني رجعت بيت. لسه بلحم بنفسي. أنا مش مضطرة. ممكن أقعد في المكتب وأخلي العمال يعملوا كل حاجة. لكن مش هاعمل كده. لأن أبويا كان عنده حق. الإنسان اللي ينسى الفلوس جت منين، بينسى نفسه في الآخر. عم صبري، رئيس العمال القديم، لسه شغال في الورشة. وفي أول يوم ليا، مد إيده وسلم عليا. وقال: «أبوك كان دايمًا بيقول إنك إنتِ اللي هتمسكي الشركة.» وبعدين ابتسم وقال: «حتى لما كان شكل الدنيا يقول غير كده، كان بيقول: سلمى هي اللي هتمسكها. استني وشوفي.» اضطريت أدخل مكتب أبويا وأقفل الباب ورايا دقيقة. ما احتفظتش ببيت الزوجية. وما احتفظتش بحاجات كتير تخص أمي. وما كلمتهاش. ومش متوقعة إني أكلمها. واتصالحت مع الفكرة. لكن في حاجة واحدة احتفظت بيها. لما بدأوا يفضوا مكتب أبويا في البيت، لقيت العصفورة الصغيرة على مكتبه. العصفورة اللي عملتها وأنا عندي تسعتاشر سنة. المعوجة. اللي جناحها أكبر من التاني. واللحامات بتاعتها شكلها وحش. سمعت إن أمي كانت عايزة يرموا العصفورة مع باقي الحاجات القديمة. قالت عليها «خردة». أنا أخدتها. دلوقتي هي على مكتبي، في الشركة اللي شايلة اسم أبويا، جنب تليفوني، في نفس المكان تقريبًا اللي أبويا كان حاططها فيه. ولما حد يسألني: «إيه دي؟» ويشوف اللحامات القديمة المعوجة ويسأل: «هي المفروض تبقى إيه؟» بقول له الحقيقة. نفس الكلام اللي أبويا قاله. الكلام الوحيد اللي كان حقيقي في العيلة كلها. بقول لهم: «أبويا هو اللي عملني بإيديه.» دي هي الحكاية. ظرفين. وعصفورة حديد. وكذبة دفنها شخص تلاتين سنة، لكن راجل بيموت قرر يطلعها من تحت الأرض ويحط الحقيقة على مكتب محاميه، عشان يوصلها للبنت اللي عمره ما شك لحظة إنها بنته. وعايزة أسألكم سؤال واحد قبل ما تمشوا. أمي أشارت للبنت الحقيقية وقالت إنها المزيفة، عشان تحمي السر اللي دفنته تلاتين سنة. لو كنتوا مكاني وقاعدين في الغرفة وشوفتوا وشها وهو بينهار جزء ورا جزء... هل كنتوا هتحسوا بالشفقة عليها، حتى ولو لثانية واحدة؟ خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد