حمايا بنى بيت اماني السيد

مرفت عايشة تحت مع أمها، تاكل وتشرب في حسها، وكل ما تشوفني طالعة ولا نازلة تدور وشها كأنها شايفة عفريت، وحماتي مكسورة ومش قادرة تفتح بقها بنص كلمة، عرفوا إن الهادية المطيعة لما بيتداس على حق ضناها بتقلب الدنيا عاليها واطيها.
أما أنا، فجبت نقاش ونضفت الشقة ودهنتها من أول وجديد بألوان فاتحة تفتح النفس، وركبت باب حديد على باب الشقة كمان للأمان. كل مسمار بدقه كان بيردلي روحي، وكل ركن بنضفه كان بيمسح أثر سنة كاملة من القهر. قفلت الشقة بالمفتاح وشيلته في أعمق حتة في دولابي.. أمان لمستقبل ابني، وشاهد حي على إن الحق المأخوذ بالقوة، مبيرجعش إلا بالعين الحمرا والقانون.
مرت السنين وتوالت الأيام، وحيطان البيت شهدت على تبديل الأحوال؛ ماتت حماتي، وفضلت مرفت قاعدة في الشقة التحتانية محبوسة في حسرتها وغلّها، تشوفني طالعة نازلة معززة مكرمة وراسها هي في الأرض،
أما ابني.. نور عيني اللي بعت دهبي وشقيت سنين عشان أضمنله سقف يستره، فكبر قدام عيني راجل يملا العين، اتخرج واشتغل وبقى ضهري وسندي اللي بيعوضني عن كل ليلة نمتها مكسورة الخاطر.

وجه اليوم اللي كان أقصى حلمي وأنا بدق أول مسمار في الشقة دي زمان.
اتفتحت أبواب الشقة على مصراعيها، بس المرة دي مش بصوت كراكيب وعياط وزعيق، المرة دي اتفتحت بالزغاريد والأنوار وريحة الورد والبخور. وقفت في نص الصالة أفرش عفش عروسته بإيدي، وأعلق الستاير معاه وهو بيضحك ويطبع بوسة على جبيني ويقولي:
* “تسلم إيدك وشقاكي يا أمي.. لولا وقفتك زمان وجدعنتك مكنش زمان ليا مكان أبدأ فيه حياتي مرفوع الراس.”
دموعي نزلت في اللحظة دي، بس كانت دموع برد وسلام مسحت كل مرار الخمس سنين والسنة اللي راحت من عمري في المحاكم والقهر.
يوم الفرح، زفيته لعروسته وطلعوا على شقتهم، وصوت الزغاريد كان مسمّع في العمارة كلها، طالع يرن في ودان مرفت تحت ويفكرها إن الباطل مهما اتفرعن آخره ينداس، وإن حق الضنا اللي حاربت عشانه أمه، رجع وصان صاحبه وعمّر بيته بالخير والستر.
وقفت على باب العمارة بالليل بعد ما المعازيم مشيوا، بصيت لشباك شقة ابني المنور بالفرحة، وحمدت ربنا ملء السما والأرض.. شقا العمر مراحش هدر، وربنا نصر الصابرة ورزقها راحة البال بعد طول عذاب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *