ماضي زوجي حكايات نور محمد

​طارق رفع راسه، وشه كان مليان دموع وضعف، وبص لمريم بترجي:

“كفاية يا مريم.. أبوس إيدك كفاية.. بلاش تدبحيها وتدبحيني، أنا غلطت وندمت.. ندمت كل يوم في عمري!”

​مريم بصتله بنظرة احتقار قطعت رجاءه في ثواني:

“ندمت يا طارق؟! الندم ده كان فين لما عرفت إني حامل في الشهر التالت؟ لما دخلت عليك بورقة التحليل وفرحتي كانت تسع الدنيا، وأنت وشك جاب ألوان زي النهاردة بالظبط، وقولتلي ‘سقطي العيل ده فوراً، أهلي لو عرفوا هيحرموني من الميراث ويطردوني برة الشركة’؟! ولما رفضت أق/تل حتة مني ومنك، عملت إيه يا بشمهندس؟”

​سكتت مريم لثواني، ودموع محبوسة لمعت في عينيها قبل ما تكمل بقهر مخزون بقاله سنين:

“أخدتني في عربيتك وقولتلي ‘هوديكي لدكتور نتطمن عليكي’.. وروحت بيا لعيادة بير سلم لدكتور معدوم الضمير عشان يسقطني بالإكراه وبنج كلي! ولما فهمت خطتك وحاولت أهرب من العربية وهي ماشية، عملت حادثة.. العربية اتقلبت بينا على طريق مصر إسكندرية الصحراوي. لما فقت في المستشفى، لقيت أبوك رحمة الله عليه واقف فوق راسي، ومعاه شيك بنص مليون جنيه، وورقة طلاقي ممضية على بياض.. وقالي بكل جبروت: ‘لو رجلك عتبت بيت ابني أو حاولتي تدوري عليه، هندفنك مكانك، وابني أصلاً سافر المانيا ومش طايق يسمع اسمك’.”

​كنت سامعة الكلام ومش قادرة أستوعب إن الشخص اللي بيتكلموا عنه ده هو نفسه الراجل الحنين اللي كان بيقعد بالساعات يدهنلي رجلي بالمرهم عشان مورمة من الحمل! هو نفسه الراجل اللي كان بيحط راسه على بطني كل ليلة ويقرأ سورة يوسف ويبكي ويقولي ‘أنا مستني بنتي بفارغ الصبر’!

الراجل اللي عشت معاه أربع سنين كان وحش متخفي في توب ملاك!

​مسكت راسي بإيديا الاتنين وقولت بانهيار:

“طب وابنك؟! ابنك حصله إيه يا دكتورة؟!”

​مريم اتنهدت تنهيدة حارة وقالت:

“الحادثة سببتلي نزيف حاد، والدكاترة اضطروا يعملولي عملية قيصرية طارئة في الشهر السابع.. الجنين اتولد، بس كان عنده عيب خلقي وراثي نادر جداً في الشريان الأورطي للقلب، بيسموه ‘Coarctation of the aorta’ مع علامة جلدية وراثية مميزة جداً بتظهر على الكتف اليمين تحت الرقبة على شكل هلال داكن.. الجنين مات بعد يومين في الحضانة، مكنش فيه إمكانيات وقتها تنقذه، وأنا ضهري اتكسر.. بس من اليوم ده، حلفت إني مش هسيب طفل يموت بالمرض ده تاني، وهبت حياتي كلها لجراحة قلب الأطفال، سافرت، اتعلمت، واشتغلت ليل نهار لحد ما بقيت الدكتورة مريم اللي المستشفيات كلها بتطلبها بالاسم للحالات الميؤوس منها.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *