ماضي زوجي حكايات نور محمد
في اللحظة اللي الباب اتفتح فيها، الهوا في أوضة المستشفى اتسحب فجأة، وبقت الأنفاس تقيلة زي الرصاص.
الشخص اللي كان واقف على العتبة مكنش راجل غريب، ولا كان شخص جاي يتهجم بس/لاح.. كانت ست في أواخر التلاتينات من عمرها، لابسة بالطو أبيض ناصع، تحته بدلة العمليات الخضراء، وشعرها ملموم بإحكام تحت غطاء الرأس الطبي. كان باين على وشها إرهاق جبار، هالات سوداء تحت عينيها من قلة النوم، بس عينيها.. عينيها كانت حادة، باردة، وصامدة زي صخرة عاتية بتشق أمواج البحر.
كانت مثبتة نظراتها في عين طارق مباشرة. نظرة خلت جوزي يتراجع بضهره خطوة ورا خطوة، لحد ما خبط في كونسول الأدوية اللي جنب الحيطة، والأزايز البلاستيك اتهزت وطلعت صوت طقطقة فزعته كأنها طلقة رصاص. إيديه كانت بتترعش برعشة هستيرية، وعرق ساقع بدأ يتفجر من جبينه ويسيل على خدوده الشاحبة، وشفايفه بقت تفتح وتقفل من غير ما يطلع منها صوت مفهوم:
“مـ.. مريم؟! أنتِ.. أنتِ بتعملي إيه هنا؟!”
الاسم نزل على وداني زي الصاعقة. “مريم”؟ مين مريم دي؟!
أنا كنت لسه نايمة على السرير، بجروحي وتعب 21 ساعة من المخاض والولادة القيصرية الطارئة، حاضنة بنتي ليلى بإيديا الاتنين ومتبتة فيها كأن في حد هيخطفها من حضني. بصيت لطارق، وبعدين بصيت للست اللي واقفة قدامنا.
الدكتورة مريم مدخلتش بعصبية، ولا صرخت، ولا عملت أي مشهد درامي زي ما طارق كان متوقع. هي خطت خطوتين بهدوء شديد جوة الأوضة، وحطت إيديها في جيوب البالطو الأبيض، وبصت لطارق بنبرة هادية بس كانت بتذبح ببطء:
“كنت في العمليات يا طارق.. بقالي عشر ساعات واقفة على رجلي، بصلح الكارثة اللي أنتوا كنتوا هتدفعوا تمنها غالي أوي النهاردة.”
طارق قعد على الكرسي فجأة كأن ركبه اتكسرت تحته، وحط راسه بين إيديه وصوته طلع مبحوح ومكتوم، مليان ذعر:
“عشر سنين.. عشر سنين وأنا فاكر إنك متِ.. هما قالولي إنك موتي في الحادثة.. أهلي حلفولي إنك سافرتي وموتي هناك!”
هنا أنا مقدرتش أسكت. الألم اللي في بطني اتحول لنار بتاكل في صدري. صرخت بصوت مخنوق ودموعي بتنزل شلال على وشي:
“في إيه هنا؟! حد يفهمني في إيه؟! مين دي يا طارق؟! وليه أول ما شفت بنتك قولتلي ‘ليه خبيتي عليا’؟! هي ليلى مالها؟! وبنتنا ذنبها إيه في المصيبة اللي بينكم دي؟!”