خيـ.ـانه زوجي حكايات من الواقع

لم أصرخ، لم أرفع صوتي، بل ابتسمت ابتسامة هادئة جعلت طارق يرمش بارتباك ويتحسس عنقه.

قلت بصوت ناعم رخيم:

“ألف سلامة عليك يا طارق.. الصداع خف؟ وعربية المستثمرين كانت مريحة الصبح؟”

​ارتبك طارق، لكنه حاول التماسك: “الحمد لله.. كان يوم شاق وخلاص. بكرة عندي يوم مصيري في الشركة، ميعاد مهم هيحدد مستقبلنا كله وهيخليني أستريح من ضغط الشغل نهائياً!”

​نظرت في عينيه مباشرة، وأنا أرى داخلهما ذلك الوحش الخائن الخبيث، وقلت:

“أكيد يا طارق.. بكرة يوم مصيري جداً.. وفعلاً، كل واحد فينا هيرتاح الراحة اللي يستاهلها.”

​التفتت نحو حماتي وقلت لها بأدب مقصود:

“العشا جاهز في المطبخ يا طنط.. كلي واتهني الليلة دي بالذات، عشان الأيام الجاية مش مضمونة.”

​دخلت غرفتي، وأغلقت الباب.

فتحت حاسوبي المحمول، واستخدمت حساب المدير العام الأساسي للشبكة الداخلية للشركة (System Administrator)—وهو الحساب الذي بنيته بيدي منذ 15 عاماً ولم يغيره طارق لجهله التام بالبرمجة—وقمت بسحب كافة السجلات الإلكترونية، ونسخ المراسلات الداخلية، وعطلت قدرة شيرين على مسح أي أرشيف عن بُعد، ثم حفظت كل شيء على ثلاث وحدات تخزين خارجية (Flash Drives).

​توضأت، وصليت ركعتين لله في جوف الليل، بكيت فيهما خشوعاً وتضرعاً لله أن ينصر الحق، ونمت.. نمت بعمق لم أعرفه منذ عشر سنوات كاملة، نوم الواثق في عدالة ربه.

​الساعة التاسعة والنصف من صباح اليوم التالي..

مقر الشركة الرئيسي.. برج إداري فخم في قلب القاهرة الجديدة.

​كانت قاعة الاجتماعات الكبرى في الدور السابع تتلألأ بالزجاج والمقاعد الجلدية الفاخرة.

طارق كان في أبهى حالاته، يرتدي بدلة سوداء مخصصة للمناسبات الكبرى، ويضع ساعته الذهبية الثمينة، ويوزع الابتسامات العريضة على وفد البنك المكون من مدير قطاع الائتمان ومستشارين قانونيين، وثلاثة من كبار المستثمرين.

​وعلى طرف الطاولة، كانت تجلس “شيرين”!

كانت قد وضعت طبقات كثيفة من مساحيق التجميل لتخفي آثار بكاء الأمس وانتفاخ عينيها، ترتدي فستاناً أنيقاً وضيّقاً، لكن يديها كانتا ترتجفان بشكل خفي وهي ترتب الأوراق أمامها، وعيناها تدوران بقلق نحو الباب كل دقيقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *