اهلي حاولوا يطردوني من فرحي حكايات من الواقع

​صرخت أمي بأعلى صوتها، وسقطت على الأرض تزحف تحت رجلين زين:

“حرام عليك يا زين بيه! هترمونا في الشارع وتسجن الراجل وتضيع مستقبل البت؟! ارحمنا عشان خاطر ياسمين!”

​أنا كنت قاعدة، شايفة المشهد، دموعي بتنزل في صمت تام.

لأول مرة في حياتي، محستش بالذنب.. لأول مرة محسش إني مسؤولة عن إنقاذهم.

طول عمري كنت فاكرة إن بر الوالدين معناه إني أدبح نفسي عشان يرضوا، وإن الأخت الكبيرة لازم تحرق روحها عشان تنور طريق إخواتها.. بس اكتشفت إن بعض التضحيات مش بر، التضحيات لما تتقدم لناس بلا ضمير بتبقى غباء ومهانة للنفس ربنا نهانا عنها.

​أبويا بصلي بعيون مكسورة ومرعوبة، ومد إيده يترجاني:

“ياسمين.. قولي له حاجة يا بنتي! أنا أبوكي يا ياسمين.. هتهوني عليكي أشوف السجن في آخر عمري؟!”

​بصيت في عينه مباشرة.. بصيت للجرح اللي في روحي قبل الجرح اللي في وشي، وقولتله بنبرة هادية بس قاطعة كالسيف:

“أنت اللي هنت عليك يا بابا لما مسكت العصاية وكسرت المراية في وشي.. أنت اللي هنت عليك لما وقفت تتفرج على دمي وهو بيسيل وقولتلي ‘وريني عريسك هيرضى بيكي إزاي’.. اللي يزرع شوك وقسوة، ميستناش يحصد رحمة يا فندم. القانون هياخد مجراه، وأنا بريئة منكم ومن أفعالكم ليوم الدين.”

​في اللحظة دي، صوت سارينات الشرطة دوى في الشارع تحت الأتيليه، وبعد دقيقتين دخل ضابط المباحث مع القوة، واقتادوا أبويا وأمي وشهد مكلبشين وسط صراخ وعويل أمي ونحيب شهد وذهول كل اللي في الشارع.

​أول ما الباب اتقفل وراهم، الأوضة رجعت لهدوئها.

زين مقعدش ثانية واحدة، شالني بين إيديه برفق شديد كأني طفلة صغيرة، وخرج بيا من الأتيليه وسط تصفيق ودموع مدام سوزان والعاملين.

​ركبني في عربيته، واتحركنا بأقصى سرعة على أكبر مستشفى جراحة تجميل في القاهرة، حيث كان في انتظارنا بروفيسور متخصص زين كان مكلمه في التليفون من أول دقيقة.

​دخلت العمليات الصغرى، أخدت بنج موضعي، والدكتور قعد يشتغل في الجرح بخياطة تجميلية ميكروسكوبية دقيقة جداً. طوال الساعتين اللي قعدتهم على ترابيزة العمليات، زين مسابش إيدي ثانية واحدة.. كان واقف جنبي بلبس التعقيم، ماسك كفي في كفه، وعينه في عيني، بيهمسلي بآيات قرآنية وبكلام بيطبطب على قلبي المجروح.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *